يثبت إذا ( 1 ) قال : أبرأتني عن الدعوى . والدعوى تنقسم حقاً وباطلاً ، فدعوى الإبراء عن الدعوى إنما هي دعوى في شيء غير صحيح .
وعلى مذهب الأصطخري لو سمعنا هذه الدعوى ، فنقول : يصح الإبراء عن الدعوى لو صدر من المدعي ، فلو أقام المدعى عليه البينة على إبراء المدعي عن الدعوى ، بطل حق المدعي ، حتى لو أراد المدعي أن يقيم البينة على الحق ، لم تقبل منه ، وإن نكل المدعي عن اليمين ، وحلف المدعى عليه على إبرائه ، ثبت مقصوده ، وانقطعت الدعوى .
ولو ادعى مالاً وصحت ( 2 ) الدعوى ، فقال المدعى عليه : قد أبرأني عن هذا المال ، فهذا إقرار منه بالمدعَى ؛ فإن الإبراء من ضرورته تقدم الحق عليه ، فقد اعترف بالحق ، وادعى على مستحِقه إسقاطَه ، فيطالَب بإقراره ، وله الدعوى .
ثم في كلام القاضي ما يدل على أن المدعى عليه إذا ادعى إبراءً عن الحق ، أو إيفاءً ، فهو مطالب بالحق . يقال له : أدّ ما لزمك ، ثم استفتح دعواك .
وهذا لا أعرف له وجهاً . والأصحاب مجمعون على خلافه . وكيف يطالب المدعى عليه بإيفاء الحق ، ودعواه مسموعة في الإيفاء ، وفصلها ممكن في الحال بتحليف المدعي ؟ نعم ، لو ادعى الإبراءَ ، وقال : لي بينة ، فأمهلوني في إقامتها إياها ، فلا نمهله الآن ، ونقول : أدّ ما ثبت عليك ، أو اقنع بتحليف صاحبك على نفي الإبراء ، ثم أدّ ، وإن كان لك بيّنة ، فأقمها من بعدُ . ونحن نُتبع ( 3 ) الحكم ، وله - إن صدق - أن يصابر الحبس أياماً معدودة ليحضر بيّنته .
وهذه الصورة الآن تناظر مسألة وكيل الغائب في الحكم ، فإذا حضر وكيلٌ ، وأثبت حقاً لموكله على خصمه ، فقال المدعى عليه : قد أبرأني موكلك ، فنقول له :
هامش
( 1 ) إذا : بمعنى " إذ " .
( 2 ) صحت الدعوى : أي صحت في نظمها وترتيبها ، واستوفت شروط قبولها ، وليس المراد ثبت المدَّعى به .
( 3 ) أي : نتبع الحكمَ البينة .