صحبته في السفر ؟ وفيه تمتحن أخلاق الرجال . قال : لا . قال : فإذاً أنت لا تعرفه ، فائتني بمن يعرّفك " ( 1 ) .
والمعنى - مع الجوامع التي ذكرها عمر - أن الناس يخفون عوراتهم ويغطونها جهدهم ، ولا يتحقق الاطلاع على نقاء السريرة ، ولكن لا أقل من التوصل إلى ما يُغلِّب على الظن ، وذلك يحصل بما ذكرناه من الخبرة الباطنة .
وأما الجرح فمأخذه الاستيقان والعيان ، أو ما جرى مجراه . هذا قولنا في مآخذ الجرح والتعديل .
ومما يتصل بهذا أن المزكي إذا عدّل ، فحقُّ القاضي أن يبحث عن علمه بباطنه بَحْثَ عمرَ في الأثر المروي . والسبب فيه أنه قد يعتقد جوازَ البناء على الظاهر والأخذَ بتحسين الظن ؛ فإذا بحث القاضي أزال الشك ببحثه .
وإن علم أن المزكي خبير بالتزكية عالم بأن التعويل على البواطن ، وقد ألف ذلك منه [ وراجعه فرآه خبيراً بصيراً ] ( 2 ) غيرَ مكتفٍ بالظاهر ، فإذا أطلق مثلُ هذا المزكي التعديلَ ؛ فالأصح أن القاضي لا يحتاج إلى مراجعته في إسناد تزكيته إلى الباطن .
ومن أصحابنا من شرط هذه المراجعة في كل تزكية ؛ تمسكاً بأثر عمر ؛ وهذا غير سديد ، والأثر محمول على علم عمر بأن المعدِّل لم يكن خبيراً بمأخذ التعديل ، وقد تحقق ذلك لما [ راجعه ] ( 3 ) كما روينا الأثر .
11910 - فأما لفظ التزكية ، فإن قال المزكي : هو عدلٌ رضاً ، لم يكفِ ذلك ، حتى يقولَ : مقبولُ الشهادة ؛ فإن العدل الرضا ، قد يكون مغفلاً . نعم ، تثبت العدالة بما قال ، ثم يُستخبر بعد هذا عن الأسباب المانعة من قبول الشهادة ، كما سنصفها إذا انعطفنا ، إن شاء الله ، على المراسم التي ذكرناها أولاً .
هامش
( 1 ) أثر عمر رواه البيهقي في السنن الكبرى ، والعقيلي في الضعفاء ، والخطيب في الكفاية ( ر . البيهقي : 10 / 125 ، الضعفاء للعقيلي : 3 / 454 ، تلخيص الحبير : 4 / 360 ح 2629 ) .
( 2 ) في الأصل : " وراجعْتَه فيه خبيراً بصيراً " . ( بهذا الضبط والنقط ) .
( 3 ) في الأصل : " راجع " .