فأما الصورة الثانية وهي إذا انفرد فلان بالشراء ، ثم خلطه ، مثل أن يشتريَ دقيقاً ويخلطَه بدقيق الغير ، فالذي يجب القطع به أن الحالف إن أكل من المختلط ما يعلم قطعاً أنه أتى على شيء مما اشتراه المعين في اليمين فيحنث ؛ فإن فيما أكلهُ طعاماً اشتراه فلان ، وما ذكرناه من رعاية اليقين لا يقف على أن يأكل من الطعام المختلط مقداراً زائداً ( 1 ) على المقدار الذي اشتراه شريك فلان ؛ فإن اليقين يحصل دون ذلك ؛ إذ لو خلط صاعاً من دقيق كان اشتراه منفرداً بشرائه بصاعٍ من دقيق ، وأنعم الخلط وقلّب ، فقد يستيقن الحِنث بالحِفنة يتعاطاها ، وهذا يختلف بالقلة والكثرة ، وإنعام الخلط ، ونحن نتبع اليقين ، ولا يحنَث الحالف إلا به .
11764 - فإذا تبين المذهب في الصورتين ، خضنا بعدهما في تخليط طوائفَ من الأصحاب . قال بعض المصنفين : إذا قال : لا آكل طعاماً اشتراه فلان ، فاشترى فلان وفلان طعاماً على الاشتراك ، ففي المسألة ثلاثة أوجه : أحدها - ما ذكرناه ، ورأيناه المذهب ، وهو أنه لا يحنث بأكل الجزء ، ولا بأكل الكل .
والوجه الثاني - أنه يحنث بأكل مقدارٍ قليل من ذلك المشترى ، وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ، ولست أنكر دخول هذا الوجه تحت الإمكان المعتبر في مسائل البرّ والحنث في الأيمان ، ولكنه ليس مذهبَ الشافعي ، وليس ناقلُه معتَمَداً ، وليس على مقامٍ يُقبل تخريجه . ووجهه - على بعده - اتباعُ المقصود مع أن اللفظ ليس نابياً عنه ؛ فإن غرض الحالف الامتناعُ عما يثبت للمعيّن فيه شراء ، وقد تحقق هذا المعنى .
والوجه الثالث - وهو سخيف في الحقيقة - أنه إن أكل أكثر من النصف ، حَنِث ، وإن أكل النصف فما دونه ، لم يحنَث ؛ أخذاً من أنهما لو اقتسما ، لأخَذَ كل واحد منهما نصفاً ، وكان يجوز أن يكون المأكول واقعاً في حصة من لم يحلف عليه .
وهذا هذيان ، لا التفات إلى مثله ، ثم هذا الرجل إذا حكى الأوجهَ الثلاثة ، لم يذكر مثلها في الدار ، ولم يتعرض لها ، ولا وجه إلا القطع بما ذكره أبو حنيفة
هامش
( 1 ) ه 4 : " شاملاً " .