المودَع يخالف تلك الجهة إلى أخرى ، وذلك مثل أن يدفع دنانير إلى إنسان ويقول له : اربطها على كمك ، فاحتوى عليها المؤتَمن بكفه ، فهذا احتياطٌ من وجه ، وإن كان مخالفةً لما ذكره المودِع ، وقد اختلف طرق الأصحاب في ذلك .
فالطريقة المشهورة نأتي بها على وجهها ، ثم نلحق بها غيرَها ، فنقول : إن لم يَجْرِ من صاحب الوديعة تنصيصٌ على [ كيفية ] ( 1 ) الحفظ ، فلا معترض على المودَع : ربطَ الوديعة في كمه ، أو أمسكها في كفه ؛ فإن هاتين الجهتين في الحفظ بمثابة بَيْتين في الدار ، وكل واحد منهما يتصف بكونه حرزاً معتاداً في مثل الوديعة المفروضة ، فالمؤتمن يتخير في حفظ الوديعة في أي بيت شاء .
فأما إذا عين صاحبُ الوديعة نوعاً من الحفظ مثل أن يقول : اربطها في كمك ، فاحتوى عليها بكفه ، فالربط على الكم يختص بنوعٍ من الاحتياط في بعض الأحوال ، فإنه لو غفل أو غلبته عيناه ، فالمربوط على الكم لا ينسلّ ، ولا يتبتّر ( 2 ) ، فلو كانت الوديعة في كفه ، وغلبته عيناه ، لاسترخت أنامله ، وانسلت الوديعة .
والضبط في الكف قد يكون أحرز في بعض الأحوال ، فإن غاصباً لو أراد [ سلب ] ( 3 ) الوديعة من حافظها ، فكونها في الكف أحوط وأضبط من كونها [ مربوطة ] ( 4 ) على الكُم ، وكذلك الطَّرار قد يهون عليه [ حلّ ] ( 5 ) الكُمّ ، واستخراج ما فيه ، ولا يعصم عنه الربط ، ولا يتوصل الطرار إلى ما يحتوي المرء عليه بكفه .
فإذا لاح ذلك ، ابتنى عليه ما ذكره الأصحاب ، قالوا : إن عيّن مالك الوديعة الربطَ على الكم ، فضبط المودَعُ في الكف ، فضاعت الوديعة ، نظر : فإن جاء الضياع من جهة الانتشار والانسلال عند النوم ، والغفلة ، وجب الضمان ؛ فإن الضياع جاء من
هامش
( 1 ) في الأصل : كفة .
( 2 ) ( س ) : ولا ينتشر .
( 3 ) في الأصل : سبيل .
( 4 ) في الأصل : مربوط ، و ( س ) : مربوطاً . والمثبت من تصرف المحقق .
( 5 ) في الأصل : طو ( كذا ) الكم .