تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
والمصلح لا يقل عليه شئ ، وإما مفسد فلا يبقى له شئ . فقال أبو معاوية : جمع أبو عثمان طرف الكلام . وروى الأصمعي عن حكيم بن قيس . قال سعيد بن العاص : موطنان لا أستحيي من رفقي فيهما والتأني عندهما ، مخاطبتي جاهلا أو سفيها ، وعند مسألتي حاجة لنفسي . ودخلت عليه امرأة من العابدات وهو أمير الكوفة فأكرمها وأحسن إليها ، فقالت : لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة ، ولا زالت المنة لك في أعناق الكرام ، وإذا أزال عن كريم نعمة جعلك سببا لردها عليه . وقد كان له عشرة من الولد ذكورا وإناثا ، وكانت إحدى زوجاته أم البنين بنت الحكم بن أبي العاص - أخت مروان بن الحكم - ولما حضرت سعيدا الوفاة جمع بنيه وقال لهم : لا يفقدن أصحابي غير وجهي ، وصلوهم بما كنت أصلهم به ، وأجروا عليهم ما كنت أجري عليهم ، واكفوهم مؤنة الطلب ، فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه ، وارتعدت فرائصه مخافة أن يرد ، فوالله لرجل يتململ على فراشه يراكم موضعا لحاجته أعظم منة عليكم مما تعطونه . ثم أوصاهم بوصايا كثيرة ، منها أن يوفوا ما عليه من الدين والوعود ، وأن لا يزوجوا إخوانهم إلا من الأكفاء ، وأن يسودوا أكبرهم . فتكفل بذلك كله ابنه عمرو بن سعيد الأشدق ، فلما مات دفنه بالبقيع ثم ركب عمرو إلى معاوية فعزاه فيه واسترجع معاوية وحزن عليه وقال : هل ترك من دين عليه ؟ قال : نعم ! قال : وكم هو ؟ قال : ثلاثمائة ألف درهم ، وفي رواية ثلاثة آلاف ألف درهم ( 1 ) ، فقال معاوية : هي علي ! فقال ابنه : يا أمير المؤمنين ، إنه أوصاني أن لا أقضي دينه إلا من ثمن أراضيه ، فاشترى منه معاوية أراضي بمبلغ الدين ، وسأل منه عمرو أن يحملها إلى المدينة فحملها له ، ثم شرع عمرو يقضي ما على أبيه من الدين حتى لم يبق أحد ، فكان من جملة من طالبه شاب معه رقعة من أديم فيها عشرون ألفا ، فقال له عمرو : كيف استحققت هذه على أبي ؟ فقال الشاب : إنه كان يوما يمشي وحده فأحببت أن أكون معه حتى يصل إلى منزله ، فقال : ابغني رقعة من أدم ، فذهبت إلى الجزارين فأتيته بهذه فكتب لي فيها هذا المبلغ ، واعتذر بأنه ليس عنده اليوم شئ . فدفع إليه عمرو ذلك المال وزاده شيئا كثيرا ، ويروى أن معاوية قال لعمرو بن سعيد : من ترك مثلك لم يمت ، ثم قال : رحم الله أبا عثمان : قد مات من هو أكبر مني ومن هو أصغر مني ، وأنشد قول الشاعر : إذا سار من دون امرئ وأمامه * وأوحش من إخوانه فهو سائر وكانت وفاة سعيد بن العاص في هذه السنة ، وقيل في التي قبلها ، وقيل في التي بعدها . وقال بعضهم : كانت وفاته قبل عبد الله بن عامر بجمعة .

شداد بن أوس بن ثابت

ابن المنذر بن حرام ، أبو يعلى الأنصاري الخزرجي ، صحابي جليل ، وهو ابن أخي
هامش
( 1 ) في أسد الغابة 2 / 311 والإصابة 2 / 48 : ثمانون ألف دينار .
البداية والنهاية — صفحة 94 | ابن كثير / علي شيري