الهدنة ، وهاجر قبل الفتح ، ورزقه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر كل سنة أربعين وسقا ، وكان من
سادات المسلمين ، وهو الذي دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات وعائشة مسندته إلى صدرها ،
ومع عبد الرحمن سواك رطب فأخذه بصره ، فأخذت عائشة ذلك السواك فقضمته وطيبته ، ثم
دفعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به أحسن استنان ثم قال : " اللهم في الرفيق الأعلا " . ثم قضى .
قالت : فجمع الله بين ريقي وريقه ، ومات بين سحري ونحري ، في بيتي ويومي لم أظلم فيه
أحدا .
وقد شهد عبد الرحمن فتح اليمامة وقتل يومئذ سبعة ، وهو الذي قتل محكم بن الطفيل .
صديق مسيلمة على باطله - كان محكم واقفا في ثلمة حائط فرماه عبد الرحمن فسقط محكم ، فدخل
المسلمون من الثلمة فخلصوا إلى مسيلمة فقتلوه . وقد شهد فتح الشام ، وكان معظما بين أهل
الاسلام ونفل ليلى بنت الجودي ملك عرب الشام ، نفله إياها خالد بن الوليد عن أمر عمر بن
الخطاب كما سنذكره مفصلا . وقد قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب
قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي بكر - ولم يجرب عليه كذبة قط - ذكر عنه حكاية أنه لما جاءت بيعة
يزيد بن معاوية إلى المدينة ، قال عبد الرحمن لمروان : جعلتموها والله هرقلية وكسروية - يعني
جعلتم ملك الملك لمن بعده من ولده - فقال له مروان : اسكت فإنك أنت الذي أنزل الله فيك :
* ( والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج ) * [ الأحقاف : 17 ] فقالت عائشة : ما أنزل الله
فينا شيئا من القرآن ، إلا أنه أنزل عذري ، ويروى أنها بعثت إلى مروان تعتبه وتؤنبه وتخبره بخبر
فيه ذم له ولأبيه لا يصح عنها ، قال الزبير بن بكار : حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري
عن أبيه عن جده . قال : بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة
ليزيد بن معاوية ، فردها عبد الرحمن وأبى أن يأخذها ، وقال : أبيع ديني بدنياي ؟ وخرج إلى مكة
فمات بها . وقال أبو زرعة الدمشقي : ثنا أبو مسهر ثنا مالك قال : توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في
نومة نامها . ورواه أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد فذكره وزاد : فأعتقت عنه عائشة
رقابا . ورواه الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم فذكره . ولما توفي كانت وفاته بمكان يقال له
الحبشي - على ستة أميال من مكة ، وقيل اثني عشر ميلا - فحمله الرجال على أعناقهم حتى دفن
بأعلى مكة ، فلما قدمت عائشة مكة زارته وقالت : أما والله لو شهدتك لم أبك عليك ، ولو كنت
عندك لم أنقلك من موضعك الذي مت فيه ، ثم تمثلت بشعر متمم بن نويرة في أخيه مالك :
وكنا كندماني جذيمة برهة ( 1 ) * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالك * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
رواه الترمذي وغيره . وروى ابن سعد أن ابن عمر مرة رأى فسطاطا مضروبا على قبر
هامش
( 1 ) في الاستيعاب وأسد الغابة حقبة .