مالا غنى لكل لبيب عليم ، وقدرة حكيم ، عن حفظه وتأمله ، والمسعود من هدي لتلقيه ،
والمجدود من وفق لامتثاله وتقبله . قلت : ولكن إسناد هذا الأثر وما فيه من الحديث المرفوع
ضعيف ، ومثل هذه الألفاظ في عبارتها ما يدل ما في بعضها من النكارة على أنه ليس بمحفوظ والله
أعلم . وقد ذكر الأصمعي والعتبي والمدائني وغيرهم : أن معاوية سأل الحسن عن أشياء تشبه هذا
فأجابه بنحو ما تقدم ، لكن هذا السياق أطول بكثير مما تقدم فالله أعلم . وقال علي بن العباس
الطبراني : كان على خاتم الحسن بن علي مكتوبا :
قدم لنفسك ما استطعت من التقى * إن المنية نازلة بك يا فتى
أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى * أحباب قلبك في المقابر والبلى
قال الإمام أحمد : حدثنا مطلب بن زياد بن محمد ، ثنا محمد بن أبان ، قال : قال
الحسن بن علي لبنيه وبني أخيه : " تعلموا فإنكم صغار قوم اليوم وتكونوا كبارهم غدا ، فمن لم
يحفظ منكم فليكتب " . رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن أحمد عن أبيه . وقال محمد بن
سعد : ثنا الحسن بن موسى وأحمد بن يونس قالا : ثنا زهير بن معاوية ، ثنا أبو إسحاق ، عن
عمرو الأصم ، قال قلت للحسن بن علي : إن هذه الشيعة تزعم أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة ،
قال : كذبوا والله ! ما هؤلاء بالشيعة ، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا اقتسمنا ماله .
وقال عبد الله بن أحمد : حدثني أبو علي سويد الطحان ، ثنا علي بن عاصم ، ثنا أبو ريحانة ، عن
سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " فقال رجل كان حاضرا في المجلس : قد
دخلت من هذه الثلاثين ستة شهور في خلافة معاوية . فقال : من ها هنا أتيت تلك الشهور كانت
البيعة للحسن بن علي ، بايعه أربعون ألفا أو اثنان وأربعون ألفا . وقال صالح بن أحمد : سمعت
أبي يقول : بايع الحسن تسعون ألفا فزهد في الخلافة وصالح معاوية ولم يسل في أيامه محجمة من دم .
وقال ابن أبي خيثمة : وحدثنا أبي ، ثنا وهب بن جرير قال : قال أبي : فلما قتل علي بايع أهل
الكوفة الحسن بن علي وأطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لأبيه . وقال ابن أبي خيثمة : ثنا هارون بن
معروف ، ثنا ضمرة عن ابن شوذب . قال : لما قتل علي سار الحسن في أهل العراق وسار معاوية
في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن جعل العهد للحسن من بعده .
قال : فكان أصحاب الحسن يقولون : يا عار المؤمنين ، قال : فيقول لهم : العار خير من النار .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا العباس بن هشام ، عن أبيه قال : لما قتل علي بايع الناس
الحسن بن علي فوليها سبعة وأحد عشر يوما . وقال غير عباس : بايع الحسن أهل الكوفة ، وبايع
أهل الشام معاوية بايلياء بعد قتل علي ، وبويع بيعة العامة ببيت المقدس يوم الجمعة من آخر سنة
أربعين ، ثم لقي الحسن معاوية بمسكن - من سواد الكوفة - في سنة إحدى وأربعين فاصطلحا ،
وبايع الحسن معاوية . وقال غيره : كان صلحهما ودخول معاوية الكوفة في ربيع الأول من سنة
إحدى وأربعين . وقد تكلمنا على تفصيل ذلك فيما تقدم بما أغنى عن إعادته ها هنا .
البداية والنهاية — صفحة 45
مساهمون: ابن كثير
ص٤٥