على ميسرة أهل الشام . وقيل بل انهزمت ميسرة أهل الشام وانحازت إلى ابن الأشتر ، ثم حمل ابن
الأشتر بمن معه وجعل يقول لصاحب رايته : ادخل برايتك فيهم ، وقاتل ابن الأشتر يومئذ قتالا
عظيما ، وكان لا يضرب بسيفه رجلا إلا صرعه ، وكثرت القتلى بينهم ، وقيل إن ميسرة أهل الشام
ثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا بالرماح ثم بالسيوف ، ثم أردف الحملة ابن الأشتر فانهزم جيش الشام بين
يديه ، فجعل يقتلهم كما يقتل الحملان ، واتبعهم بنفسه ومن معه من الشجعان : وثبت
عبيد الله بن زياد في موقفه حتى اجتاز به ابن الأشتر فقتله وهو لا يعرفه ، لكن قال لأصحابه :
التمسوا في القتلى رجلا ضربته بالسيف فنفحتني منه ريح المسك ، شرقت يداه وغربت رجلاه ،
وهو واقف عند راية منفردة على شاطئ نهر خازر : فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد ، وإذا هو
قد ضربه ابن الأشتر فقطعه نصفين ، فاحتزوا رأسه وبعثوه إلى المختار إلى الكوفة مع البشارة بالنصر
والظفر بأهل الشام ، وقتل من رؤس أهل الشام أيضا حصين بن نمير وشرحبيل بن ذي
الكلاع ، واتبع الكوفيون أهل الشام فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم أكثر ممن قتل ، واحتازوا
ما في معسكرهم من الأموال والخيول .
وقد كان المختار بشر أصحابه بالنصر قبل أن يجئ الخبر ، فما ندري أكان ذلك تفاؤلا منه أو
اتفاقا وقع له ، أو كهانة . وأما على ما كان يزعم أصحابه أنه أوحى إليه بذلك فلا ، فإن من اعتقد
ذلك كفر ومن أقرهم على ذلك كفر ، لكن : قال إن الوقعة كانت بنصيبين فأخطأ مكانها ، فإنها
إنما كانت بأرض الموصل ، وهذا مما انتقده عامر الشعبي على أصحاب المختار حين جاءه الخبر ،
وقد خرج المختار من الكوفة ليتلقى البشارة ، فأتى المدائن فصعد منبرها فبينما هو يخطب إذ جاءته
البشارة وهو هنالك . قال الشعبي : فقال لي بعض أصحابه : أما سمعته بالأمس يخبرنا بهذا ؟
فقلت له : زعم أن الوقعة كانت بنصيبين من أرض الجزيرة ، وإنما قال البشير : إنهم كانوا بالخازر
من أرض الموصل ، فقال : والله لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم . ثم رجع المختار إلى
الكوفة .
وفي غيبته هذه تمكن جماعة ممن كان قاتله يوم جبانة السبيع والكناسة من الخروج إلى
مصعب بن الزبير إلى البصرة ، وكان منهم شبث بن ربعي ، وأما ابن الأشتر فإنه بعث بالبشارة
وبرأس ابن زياد وبعث رجلا على نيابة نصيبين واستمر مقيما في تلك البلاد ، وبعث عمالا إلى
الموصل وأخذ سنجار ودارا وما ولاها من الجزيرة .
وقال أبو أحمد الحاكم : كان مقتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة ست وستين ،
والصواب سنة سبع وستين . وقد قال سراقة بن مرداس البارقي يمدح ابن الأشتر على قتله ابن
زياد :
أتاكم غلام من عرانين مذحج * جرئ على الأعداء غير نكول
البداية والنهاية — صفحة 311
مساهمون: ابن كثير
ص٣١١