يشنع عليه بمكة ويقول : ضاهى بها فعل الأكاسرة في إيوان كسرى ، والخضراء ، كما فعل
معاوية .
ولما أراد عبد الملك عمارة بيت المقدس وجه إليه بالأموال والعمال ، ووكل بالعمل رجاء بن
حياة ويزيد بن سلام مولاه ، وجمع الصناع من أطراف البلاد وأرسلهم إلى بيت المقدس ، وأرسل
إليه بالأموال الجزيلة الكثيرة ، وأمر رجاء بن حياة ويزيد أن يفرغا الأموال إفراغا ولا يتوقفا فيه ،
فبثوا النفقات وأكثروا ، فبنوا القبة فجاءت من أحسن البناء ، وفرشاها بالرخام الملون ، وعملا
للقبة جلالين أحدهما من اليود الأحمر للشتاء ، وآخر من أدم للصيف ، وحفا القبة بأنواع الستور ،
وأقاما لها سدنة وخداما بأنواع الطيب والمسك والعنبر والماورد والزعفران ، ويعملون منه غالية
ويبخرون القبة والمسجد من الليل ، وجعل فيها من قناديل الذهب والفضة والسلاسل الذهب
والفضة شيئا كثيرا ، وجعل فيها العود القماري المغلف بالمسك وفرشاها والمسجد بأنواع البسط
الملونة ، وكانوا إذا أطلقوا البخور شم من مسافة بعيدة ، وكان إذا رجع الرجل من بيت المقدس
إلى بلاده توجد منه رائحة المسك والطيب والبخور أياما ، ويعرف أنه قد أقبل من بيت المقدس ،
وأنه دخل الصخرة ، وكان فيه من السدنة والقوم القائمين بأمره خلق كثير ، ولم يكن يومئذ على
وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس ، بحيث إن الناس التهوا بها عن
الكعبة والحج ، وبحيث كانوا لا يلتفتون في موسم الحج وغيره إلى غير المسير إلى بيت المقدس ،
وافتتن الناس بذلك افتتانا عظيما ، وأتوه من كل مكان ، وقد عملوا فيه من الإشارات والعلامات
المكذوبة شيئا كثيرا مما في الآخرة ، فصوروا فيه صورة الصراط وباب الجنة ، وقدم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووادي جهنم ، وكذلك في أبوابه ومواضع منه ، فاغتر الناس بذلك ، وإلى
زماننا ، وبالجملة أن صخرة بيت المقدس لما فرغ من بنائها لم يكن لها نظير على وجه الأرض بهجة
ومنظرا ، وقد كان فيها من الفصوص والجواهر والفسيفساء وغير ذلك شئ كثير ، وأنواع باهرة .
ولما فرغ رجاء بن حياة ويزيد بن سلام من عمارتها على أكمل الوجوه فضل من المال الذي أنفقاه
على ذلك ستمائة ألف مثقال ، وقيل ثلاثمائة ألف مثقال ، فكتبا إلى عبد الملك يخبرانه بذلك ،
فكتب إليهما : قد وهبته منكما ، فكتبا إليه : إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حلي
نسائنا ، فكتب إليهما إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على القبة والأبواب ، فما كان أحد يستطيع أن يتأمل
القبة مما عليها من الذهب القديم والحديث . فلما كان في خلافة أبي جعفر المنصور قدم بيت
المقدس في سنة أربعين ومائة ، فوجد المسجد خرابا ، فأمر أن يقلع ذلك الذهب والصفائح التي
على القبة والأبواب ، وأن يعمروا بها ما تشعث في المسجد ، ففعلوا ذلك . وكان المسجد طويلا
فأمر أن يؤخذ من طوله ويزاد في عرضه ، ولما كمل البناء كتب على القبة مما يلي الباب القبلي : أمر
ببنائه بعد تشعيثه أمير المؤمنين عبد الملك سنة اثنتين وستين من الهجرة النبوية ، وكان طول المسجد
من القبلة إلى الشمال سبعمائة وخمسة وستون ذراعا ، وعرضه أربعمائة وستون ذراعا ، وكان فتوح
البداية والنهاية — صفحة 309
مساهمون: ابن كثير
ص٣٠٩