تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
وقد سأل معاوية يوما أهل البصرة عن ابن زياد فقالوا : إنه لظريف ولكنه يلحن ، فقال : أوليس اللحن أظرف له ؟ قال ابن قتيبة وغيره : إنما أرادوا أنه يلحن في كلامه ، أي يلغز ، وهو ألحن بحجته كما قال الشاعر في ذلك : منطق رائع ويلحن أحيانا * وخير الحديث ما كان لحنا وقيل إنهم أرادوا أنه يلحن في قوله لحنا وهو ضد الاعراب ، وقيل أرادوا اللحن الذي هو ضد الصواب وهو الأشبه والله أعلم . فاستحسن معاوية منه السهولة في الكلام وأنه لم يكن ممن يتعمق في كلامه ويفخمه ، ويتشدق فيه ، وقيل أرادوا أنه كانت فيه لكنة من كلام العجم ، فإن أمه مرجانة كانت سيروية وكانت بنت بعض ملوك الأعاجم يزدجرد أو غيره ، قالوا : وكان في كلامه شئ من كلام العجم ، قال يوما لبعض الخوارج : أهروري أنت ؟ يعني أحروري أنت ؟ وقال يوما من كاتلنا كاتلناه ، أي من قاتلنا قاتلناه ، وقول معاوية ذاك أظرف له ، أي أجود له حيث نزع إلى أخواله ، وقد كانوا يوصفون بحسن السياسة وجودة الرعاية ومحاسن الشيم . ثم لما مات زياد سنة ثلاث وخمسين ولى معاوية على البصرة سمرة بن جندب سنة ونصفا ثم عزله وولى عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان بن سلمة ستة أشهر ، ثم عزله وولى عليها ابن زياد سنة خمس وخمسين . فلما تولى يزيد الخلافة جمع له بين البصرة والكوفة ، فبنى في إمارة يزيد البيضاء ، وجعل باب القصر الأبيض الذي كان لكسرى عليها . وبنى الحمراء وهي على سكة المربد ، فكان يشتي في الحمراء ويصيف في البيضاء ، قالوا : وجاء رجل إلى ابن زياد فقال : أصلح الله الأمير ، إن امرأتي ماتت ، وإني أريد أن أتزوج أمها ، فقال له : كم عطاؤك في الديوان ؟ فقال : سبعمائة ، فقال : يا غلام حط من عطائه أربعمائة ، ثم قال له : يكفيك من فقهك هذا ثلاثمائة ، قالوا : وتخاصمت أم الفجيج وزوجها إليه وقد أحبت المرأة أن تفارق زوجها ، فقال أبو الفجيج : أصلح الله الأمير إن خير شطري الرجل آخره ، وإن شر شطري المرأة آخرها ، فقال : وكيف ذلك ؟ فقال : إن الرجل إذا أسن اشتد عقله واستحكم رأيه وذهب جهله ، وإن المرأة إذا أسنت ساء خلقها وقل عقلها وعقم رحمها واحتد لسانها ، فقال : صدقت خذ بيدها وانصرف ، وقال يحيى بن معين : أمر ابن زياد لصفوان بن محرز بألفي درهم فسرقت ، فقال : عسى أن يكون خيرا فقال أهله : كيف يكون هذا خيرا ؟ فبلغ ذلك ابن زياد فأمر له بألفين آخرين ، ثم وجد الألفين فصارت أربعة آلاف فكان خيرا . وقيل لهند بنت أسماء بن خارجة - وكانت قد تزوجت بعده أزواجا من نواب العراق - من أعز أزواجك عندك وأكرمهم عليك ؟ فقالت : ما أكرم النساء أحد إكرام بشير بن مروان ، ولا هاب النساء هيبة الحجاج بن يوسف ، ووددت أن القيامة قد قامت فأرى عبيد الله بن زياد وأشتفي من حديثه والنظر إليه - وكان أتى عذارتها - وقد تزوجت بالآخرين أيضا .
البداية والنهاية — صفحة 313 | ابن كثير / علي شيري