وقال عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال : أول من جهر بالمعوذتين في
الصلاة المكتوبة ابن زياد ، قلت : يعني والله أعلم في الكوفة ، فإن ابن مسعود كان لا يكتبهما في
مصحفه وكان فقهاء الكوفة عن كبراء أصحاب ابن مسعود يأخذون والله أعلم .
وقد كانت قي ابن زياد جرأة وإقدام ومبادرة إلى مالا يجوز ، ومالا حاجة له به ، لما ثبت في
الحديث الذي رواه أبو يعلى ومسلم ، كلاهما عن شيبان بن فروخ عن جرير عن الحسن أن عائذ بن
عمرو دخل على عبيد الله بن زياد فقال : أي بني ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن شر الرعاء
الحطمة ، فإياك أن تكون منهم " . فقال له اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقال : وهل كان فيهم نخالة ؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم . وقد روى غير واحد عن
الحسن أن عبيد الله بن زياد دخل على معقل بن يسار يعوده فقال له : إني محدثك بحديث سمعته من
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من رجل استرعاه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لهم إلا حرم الله
عليه الجنة " .
وقد ذكر غير واحد أنه لما مات معقل صلى عليه عبيد الله بن زياد ولم يشهد دفنه ، واعتذر بما
ليس يجدي شيئا وركب إلى قصره ، ومن جراءته إقدامه على الامر بإحضار الحسين إلى بين يديه وإن
قتل دون ذلك ، وكان الواجب عليه أن يجيبه إلى سؤاله الذي سأله فيما طلب من ذهابه إلى يزيد أو
إلى مكة أو إلى أحد الثغور ، فلما أشار عليه شمر بن ذي الجوشن بأن الحزم أن يحضر عندك وأنت
تسيره بعد ذلك إلى حيث شئت من هذه الخصال أو غيرها ، فوافق شمرا على ما أشار به من
إحضاره بين يديه فأبى الحسين أن يحضر عنده ليقضي فيه بما يراه ابن مرجانة . وقد تعس وخاب
وخسر ، فليس لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر بين يدي ابن مرجانة الخبيث ، وقد قال محمد بن
سعد : أنبأنا الفضل بن دكين ومالك بن إسماعيل قالا : حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن
عبد الملك بن كردوس ، عن حاجب عبيد الله بن زياد قال : دخلت معه القصر حين قتل الحسين
قال فاضطرم في وجهه نارا أو كلمة نحوها ، فقال بكمه هكذا على وجهه وقال : لا تحدثن بها
أحدا ، وقال شريك عن مغيرة قال : قالت مرجانة لابنها عبيد الله : يا خبيث قتلت ابن بنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لا ترى الجنة أبدا . وقد قدمنا أن يزيد بن معاوية لما مات بايع الناس في المصرين
لعبيد الله حتى يجتمع الناس على إمام ، ثم خرجوا عليه فأخرجوه من بين أظهرهم ، فسار إلى الشام
فاجتمع بمروان ، وحسن له أن يتولى الخلافة ويدعو إلى نفسه ففعل ذلك ، وخالف الضحاك بن
قيس ، ثم انطلق عبيد الله إلى الضحاك بن قيس فما زال به حتى أخرجه من دمشق إلى مرج راهط ،
ثم حسن له أن دعا إلى بيعة نفسه وخلع ابن الزبير ففعل ، فانحل نظامه ووقع ما وقع بمرج راهط ،
من قتل الضحاك وخلق معه هنالك ، فلما تولى مروان أرسل ابن زياد إلى العراق في جيش فالتقى
هو وجيش التوابين مع سليمان بن صرد فكسرهم ، واستمر قاصدا الكوفة في ذلك الجيش ،
فتعوق في الطريق بسبب من كان يمانعه من أهل الجزيرة من الأعداء الذي هم من جهة ابن الزبير .
البداية والنهاية — صفحة 314
مساهمون: ابن كثير
ص٣١٤