خلافة عبد الملك بن مروان
بويع له بالخلافة في حياة أبيه ، فلما مات أبوه في ثالث رمضان منها جددت له البيعة بدمشق
ومصر وأعمالهما ، فاستقرت يده على ما كانت يد أبيه عليه ، وقد كان أبوه قبل وفاته بعث بعثين
أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى العراق لينتزعها من نواب ابن الزبير ، فلقي في طريقه جيش
التوابين مع سليمان بن صرد عند عين الوردة ، فكان من أمرهم ما تقدم ، من ظفره بهم ، وقتله
أميرهم وأكثرهم . والبعث الآخر مع حبيش بن دلجة إلى المدينة ليرتجعها من نائب ابن الزبير ،
فسار نحوها ، فلما انتهى إليها هرب نائبها جابر بن الأسود بن عوف ، وهو ابن أخي
عبد الرحمن بن عوف ، فجهز نائب البصرة من قبل ابن الزبير وهو الحارث بن عبد الله بن ربيعة ،
جيشا من البصرة إلى ابن دلجة بالمدينة ، فلما سمع بهم حبيش بن دلجة سار إليهم . وبعث ابن
الزبير عباس ( 1 ) بن سهل بن سعد نائبا عن المدينة ، وأمره أن يسير في طلب حبيش ، فسار في
طلبهم حتى لحقهم بالربذة فرمى يزيد بن سياه ( 2 ) حبيشا بسهم فقتله ، وقتل بعض أصحابه وهزم
الباقون ، وتحصن منهم خمسمائة في المدينة ثم نزلوا على حكم عباس بن سهل فقتلهم صبرا ،
ورجع فلهم إلى الشام .
قال ابن جرير : ولما دخل يزيد بن سياه الأسواري قاتل حبيش بن دلجة إلى المدينة مع
عباس بن سهل كان عليه ثياب بياض وهو راكب برذونا أشهب ، فما لبث أن اسودت ثيابه ودابته
مما يتمسح الناس به ومن كثرة ما صبوا عليه من الطيب والمسك .
وقال ابن جرير : وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة ، وفيها قتل نافع بن الأزرق
وهو رأس الخوارج ورأس أهل البصرة ، مسلم بن عبيس فارس أهل البصرة ، ثم قتله ربيعة
السلوطي وقتل بينهما نحو خمسة أمراء ، وقتل في وقعة الخوارج قرة بن إياس المزني أبو معاوية ، وهو
من الصحابة . ولما قتل نافع بن الأزرق رأست الخوارج عليهم عبيد الله بن ماحوز ( 3 ) ، فسار بهم
إلى المدائن فقتلوا أهلها ثم غلبوا على الأهواز وغيرها ، وجبوا الأموال وأتتهم الامداد من اليمامة
والبحرين ، ثم ساروا إلى أصفهان وعليها عتاب بن ورقاء الرياحي ، فالتقاهم فهزمهم ، ولما قتل
أمير الخوارج ابن ماحوز كما سنذكر ، أقاموا عليهم قطري بن الفجاءة أميرا .
هامش
( 1 ) في الطبري 7 / 84 : عياش .
( 2 ) في الكامل 4 / 191 : يزيد بن سنان ، وفي الطبري : جاءه سهم غرب فقتله ، وعنده في رواية أخرى عن علي بن
محمد : قتله يزيد بن سياه .
( 3 ) من الكامل 4 / 195 والطبري 7 / 86 : وفي الأصل : مأجور وفي الاخبار الطوال : ماحور . وقد صحح في كل
المواضع .