تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
ثم أورد ابن جرير قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له دولاب ( 1 ) ، وكانت الدولة للخوارج على أهل البصرة ، وخاف أهل البصرة من الخوارج أن يدخلوا البصرة ، فبعث ابن الزبير فعزل نائبها عبد الله بن الحارث المعروف بببة ، بالحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المعروف بالقباع ، وأرسل ابن الزبير المهلب بن أبي صفرة الأزدي على عمل خراسان ، فلما وصل إلى البصرة قالوا له : إن قتال الخوارج لا يصلح إلا لك ، فقال : إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى خراسان ، ولست أعصى أمره . فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على أن كتبوا كتابا ( 2 ) على لسان ابن الزبير إلى المهلب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة ، فلما قرئ عليه الكتاب اشترط على أهل البصرة أن يقوي جيشه من بيت مالهم ، وأن يكون له ما غلب عليه من أموال الخوارج ، فأجابوه إلى ذلك ، ويقال إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأمضى لهم ذلك وسوغه ، فسار إليهم المهلب . وكان شجاعا بطلا صنديدا ، فلما أراد قتال الخوارج أقبلوا إليه يزفون في عدة لم ير مثلها من الدروع والزرود والخيول والسلاح ، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي ، وقد صار لهم تحمل عظيم مع شجاعة لا تدانا ، وإقدام لا يسامى ، وقوة لا تجارى ، وسبق إلى حومة الوغى فلما تواقف الناس بمكان يقال له سل وسل أبرى ( 3 ) ، اقتتلوا قتالا شديدا عظيما ، وصبر كل من الفريقين صبرا باهرا ، وكان في نحو من ثلاثين ألفا ثم إن الخوارج حملوا حملة منكرة ، فانهزم أصحاب المهلب لا يلوي والد على ولد ، ولا يلتفت أحد إلى أحد ، ووصل إلى البصرة فلا لهم ، وأما المهلب فإنه سبق المنهزمين فوقف لهم بمكان مرتفع ، وجعل ينادي : إلى عباد الله ، فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان الشجعان ، فقام فيهم خطيبا فقال في خطبته : أما بعد أيها الناس ، فإن الله تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون ، ولعمري ما بكم الآن من قلة ، وأنتم فرسان الصبر وأهل النصر ، وما أحب أن أحدا ممن انهزموا معكم الآن : * ( ولو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) * [ التوبة : 47 ] ثم قال : عزمت على كل رجل منكم إلا أخذ عشرة أحجار معه ، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم فإنهم الآن آمنون ، وقد خرجت خيولهم في طلب إخوانكم ، فوالله إني لأرجو أن لا ترجع خيولهم إلا وقد استبحتم عسكرهم ، وتقتلوا أميرهم .
هامش
( 1 ) دولاب : من قرى الري . ( 2 ) انظر نسخة الكتاب في الطبري 7 / 86 وأما في الاخبار الطوال ص 271 ففيه : أن الحارث بن عبد الله كتب إلى عبد الله بن الزبير يسأله أن يأمر المهلب بالسير إلى الخوارج ، فكتب ابن الزبير إلى الملهب . ( 3 ) في الاخبار الطوال : سلي : وفي معجم البلدان : " سلى وسلبرى بكسر أوله وثانيه وتشديده وقصر الألف ، وعن محمد بن موسى ، سلى بالضم وفتح اللام وهو جبل بمناذر من أعمال الأهواز فذكرته فيما بعد مع سلبرى وكانت به وقعة للخوارج مع المهلب بن أبي صفرة ، وسلبرى بكسر أوله وثانيه وتشديده وباء موحدة وراء مفتوحة وألف مقصورة موضع من نواحي خوزستان قرب جنديسابور وهي مناذر الصغرى " .
البداية والنهاية — صفحة 287 | ابن كثير / علي شيري