ثم أورد ابن جرير قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له دولاب ( 1 ) ، وكانت الدولة
للخوارج على أهل البصرة ، وخاف أهل البصرة من الخوارج أن يدخلوا البصرة ، فبعث ابن الزبير
فعزل نائبها عبد الله بن الحارث المعروف بببة ، بالحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المعروف بالقباع ،
وأرسل ابن الزبير المهلب بن أبي صفرة الأزدي على عمل خراسان ، فلما وصل إلى البصرة قالوا
له : إن قتال الخوارج لا يصلح إلا لك ، فقال : إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى خراسان ، ولست
أعصى أمره . فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على أن كتبوا كتابا ( 2 )
على لسان ابن الزبير إلى المهلب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة ، فلما
قرئ عليه الكتاب اشترط على أهل البصرة أن يقوي جيشه من بيت مالهم ، وأن يكون له ما غلب
عليه من أموال الخوارج ، فأجابوه إلى ذلك ، ويقال إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأمضى لهم
ذلك وسوغه ، فسار إليهم المهلب . وكان شجاعا بطلا صنديدا ، فلما أراد قتال الخوارج أقبلوا إليه
يزفون في عدة لم ير مثلها من الدروع والزرود والخيول والسلاح ، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك
النواحي ، وقد صار لهم تحمل عظيم مع شجاعة لا تدانا ، وإقدام لا يسامى ، وقوة لا تجارى ،
وسبق إلى حومة الوغى فلما تواقف الناس بمكان يقال له سل وسل أبرى ( 3 ) ، اقتتلوا قتالا شديدا
عظيما ، وصبر كل من الفريقين صبرا باهرا ، وكان في نحو من ثلاثين ألفا ثم إن
الخوارج حملوا حملة منكرة ، فانهزم أصحاب المهلب لا يلوي والد على ولد ، ولا يلتفت
أحد إلى أحد ، ووصل إلى البصرة فلا لهم ، وأما المهلب فإنه سبق المنهزمين فوقف لهم بمكان
مرتفع ، وجعل ينادي : إلى عباد الله ، فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان
الشجعان ، فقام فيهم خطيبا فقال في خطبته : أما بعد أيها الناس ، فإن الله تعالى ربما يكل الجمع
الكثير إلى أنفسهم فيهزمون وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون ، ولعمري ما بكم الآن من
قلة ، وأنتم فرسان الصبر وأهل النصر ، وما أحب أن أحدا ممن انهزموا معكم الآن : * ( ولو كانوا
فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) * [ التوبة : 47 ] ثم قال : عزمت على كل رجل منكم إلا أخذ عشرة
أحجار معه ، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم فإنهم الآن آمنون ، وقد خرجت خيولهم في طلب
إخوانكم ، فوالله إني لأرجو أن لا ترجع خيولهم إلا وقد استبحتم عسكرهم ، وتقتلوا أميرهم .
هامش
( 1 ) دولاب : من قرى الري .
( 2 ) انظر نسخة الكتاب في الطبري 7 / 86 وأما في الاخبار الطوال ص 271 ففيه : أن الحارث بن عبد الله كتب إلى
عبد الله بن الزبير يسأله أن يأمر المهلب بالسير إلى الخوارج ، فكتب ابن الزبير إلى الملهب .
( 3 ) في الاخبار الطوال : سلي : وفي معجم البلدان : " سلى وسلبرى بكسر أوله وثانيه وتشديده وقصر الألف ، وعن
محمد بن موسى ، سلى بالضم وفتح اللام وهو جبل بمناذر من أعمال الأهواز فذكرته فيما بعد مع سلبرى وكانت
به وقعة للخوارج مع المهلب بن أبي صفرة ، وسلبرى بكسر أوله وثانيه وتشديده وباء موحدة وراء مفتوحة وألف
مقصورة موضع من نواحي خوزستان قرب جنديسابور وهي مناذر الصغرى " .