ففعل الناس ذلك ، فزحف بهم المهلب بن أبي صفرة على معشر الخوارج فقتل منهم خلقا كثيرا نحوا
من سبعة آلاف ، وقتل عبيد الله بن الماحوز في جماعة كثيرة من الأزارقة ، واحتاز من أموالهم شيئا
كثيرا ، وقد أرصد المهلب خيولا بينه وبين الذين يرجعون من طلب المنهزمين ، فجعلوا يقتطعون
دون قومهم ، وانهزم فلهم إلى كرمان وأرض أصبهان ، وأقام المهلب بالأهواز حتى قدم مصعب بن
الزبير إلى البصرة ، وعزل عنها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة كما سيأتي قريبا .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة وجه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمدا إلى الجزيرة ،
وذلك قبل مسيره إلى مصر . قلت : محمد بن مروان هذا هو والد مروان الحمار ، وهو مروان بن
محمد بن مروان ، وهو آخر خلفاء بني أمية ، ومن يده استلبت الخلافة العباسيون كما سيأتي .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيد ( 1 ) الله عن إمرة المدينة وولاها أخاه
مصعبا ، وذلك أن عبيد ( 1 ) الله خطب الناس فقال في خطبته : وقد رأيتم ما صنع الله بقوم صالح في
ناقة قيمتها خمسمائة درهم ، فلما بلغت أخاه قال : إن هذا لهو التكلف ، وعزله . ويسمى
عبيد ( 1 ) الله مقوم الناقة لذلك ، قال ابن جرير : وفي آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد الله بن
يزيد الخطمي ، وولى عليها عبد الله بن مطيع الذي كان أمير المهاجرين يوم الحرة ، لما خلعوا
يزيد .
قال ابن جرير : وفي هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة ، وقال ابن الجوزي في
المنتظم : كان في سنة أربع وستين ، وقد قيل إنما كان في سنة تسع وستين ، وهذا هو المشهور الذي
ذكره شيخنا الذهبي وغيره ، وكان معظم ذلك بالبصرة ، وكان ذلك في ثلاثة أيام ، فمات في أول
يوم من الثلاثة من أهل سبعون ألفا ، وفي اليوم الثاني منها إحدى وسبعون ألفا ، وفي اليوم
الثالث منها ثلاثة وسبعون ألفا ، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتي إلا قليل من آحاد الناس ،
حتى ذكر أن أم الأمير بها ماتت فلم يوجد لها من يحملها ، حتى استأجروا لها أربعة أنفس . وقال
الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : حدثنا عبيد الله ثنا أحمد بن عصام ، حدثني معدى ، عن رجل ، يكنى
أبا النفيد ، وكان قد أدرك من هذا الطاعون ، قال : كنا نطوف بالقبائل وندفن الموتى ، فلما كثروا
لم نقو على الدفن ، فكنا ندخل الدار وقد مات أهلها فنسد بابها عليهم . قال فدخلنا دارا ففتشناها
فلم نجد فيها أحدا حيا فسددنا بابها ، فلما مضت الطواعين كنا نطوف فنفتح تلك السدد عن
الأبواب ، ففتحنا سدة الباب الذي كنا فتشناه - أو قال الدار التي كنا سددناها - وفتشناها فإذا نحن
بغلام في وسط الدار طري دهين ، كأنما أخذ ساعتئذ من حجر أمه ، قال : فبينما نحن وقوف على
الغلام نتعجب منه إذ دخلت كلبة من شق في الحائط فجعلت تلوذ بالغلام والغلام يحبها إليها حتى
هامش
( 1 ) في رواية الطبري 7 / 90 عبيدة ، وقد تقدم ذكره ( وانظر الكامل 4 / 206 ) .