تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
عليه ، وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه شدة شوقه إليه فلم يزالا يتحدثان إلى السحر ، ويزيد يسمع كلامهما من غير أن يكون بينهما ريبة ، حتى إذا هم الأحوص بالخروج قال : أمسى فؤادي في هم وبلبال * من حب من لم أزل منه على بال فقالت : صحا المحبون بعد النأي إذ يئسوا * وقد يئست وما أضحوا على حال فقال : من كان يسلو بيأس عن أخي ثقة * فعنك سلام ما أمسيت بالسالي فقالت : والله والله لا أنساك يا شجني * حتى تفارق مني الروح أوصالي فقال : والله ما خاب من أمسى وأنت له * يا قرة العين في أهل وفي مال قال : ثم ودعها وخرج ، فأخذه يزيد ودعا بها فقال : أخبراني عما كان في ليلتكما وأصدقاني ، فأخبراه وأنشده ما قالا ، فلم يحرفا منه حرفا ولا غيرا شيئا مما سمعه ، فقال لها يزيد : أتحبينه ؟ قالت : إي والله يا أمير المؤمنين : حبا شديدا جرى كالروح في جسدي * فهل يفرق بين الروح والجسد ؟ فقال له : أتحبها ؟ فقال : إي والله يا أمير المؤمنين : حبا شديدا تليدا غير مطرف * بين الجوانح مثل النار يضطرم فقال يزيد : إنكما لتصفان حبا شديدا خذها يا أحوص فهي لك ، ووصله صلة سنية . فرجع بها الأحوص إلى الحجاز وهو قرير العين . وقد روي أن يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر والغنا والصيد واتخاذ الغلمان والقيان والكلاب والنطاح بين الكباش والدباب والقرود ، وما من يوم إلا يصبح فيه مخمورا ، وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به ، ويلبس القرد قلانس الذهب ، وكذلك الغلمان ، وكان يسابق بين الخيل ، وكان إذا مات القرد حزن عليه . وقيل : إن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقزها فعضته . وذكروا عنه غير ذلك والله أعلم بصحة ذلك . وقال عبد الرحمن بن أبي مدعور : حدثني بعض أهل العلم قال : آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية : اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه ، ولم أرده ، واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد . وكان نقش خاتمه آمنت بالله العظيم .