تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
بالخلافة . وجلست أمه ميسون يوما تمشطه وهو صبي صغير ، وأبوه معاوية مع زوجته الحظية عنده في المنظرة ، وهي فاختة بنت قرظة ، فلما فرغت من مشطه نظرت أمه إليه فأعجبها فقبلته بين عينيه ، فقال معاوية عند ذلك : إذا مات لم تفلح مزينة بعده * فنوطي عليه يا مزين التمائما وانطلق يزيد يمشي وفاختة تتبعه بصرها ثم قالت : لعن الله سواد ساقي أمك ، فقال معاوية : أما والله إنه لخير من ابنك عبد الله - وهو ولده منها وكان أحمق - فقالت فاختة : لا والله لكنك تؤثر هذا عليه ، فقال : سوف أبين لك ذلك حتى تعرفينه قبل أن تقومي من مجلسك هذا ، ثم استدعى بابنها عبد الله فقال له : إنه قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألني في مجلسي هذا ، فقال : حاجتي أن تشتري لي كلبا فارها وحمارا فارها ، فقال : يا بني أنت حمار وتشتري لك حمارا ؟ قم فأخرج . ثم قال لامه : كيف رأيت ؟ ثم استدعى بيزيد فقال : إني قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألني في مجلسي هذا ، فسلني ما بدا لك . فخر يزيد ساجدا ثم قال حين رفع رأسه : الحمد لله الذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة ، وأراه في هذا الرأي ، حاجتي أن تعقد لي العهد من بعدك ، وتوليني العام صائفة المسلمين ، وتأذن لي في الحج إذا رجعت ، وتوليني الموسم ، وتزيد أهل الشام عشرة دنانير لكل رجل في عطائه ، وتجعل ذلك بشفاعتي ، وتعرض لأيتام بني جمح ، وأيتام بني سهم ، وأيتام بني عدي . فقال : مالك ولأيتام بن عدي ؟ فقال : لأنهم حالفوني وانتقلوا إلى داري . فقال معاوية : قد فعلت ذلك كله ، وقبل وجهه ، ثم قال لفاختة بنت قرظة : كيف رأيت ؟ فقالت : يا أمير المؤمنين أوصه بي فأنت أعلم به مني ، ففعل . وفي رواية أن يزيد لما قال له أبوه : سلني حاجتك ، قال له يزيد : اعتقني من النار أعتق الله رقبتك منها ، قال : وكيف ؟ قال : لأني وجدت في الآثار أنه من تقلد أمر الأمة ثلاثة أيام حرمه الله على النار ، فاعهد إلي بالامر من بعدك ففعل . وقال العتبي : رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاما له فقال له : اعلم أن الله أقدر عليك منك عليه ، سوأة لك ! ! أتضرب من لا يستطيع أن يمتنع عليك ؟ والله لقد منعتني القدرة من الانتقام من ذوي الإحن ، وإن أحسن من عفا لمن قدر . قلت : وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أبا مسعود يضرب غلاما له فقال : " اعلم أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه " ( 1 ) . قال العتبي : وقدم زياد بأموال كثيرة وبسفط مملوء جواهر على معاوية فسر بذلك معاوية ، فقام زياد فصعد المنبر ثم افتخر بما يفعله بأرض
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الايمان ح‍ ( 34 ) ( 35 ) ( 36 ) وأبو داود في الأدب ح‍ ( 124 ) والترمذي في البر ح‍ ( 30 ) وأحمد في المسند 4 / 120 .
البداية والنهاية — صفحة 249 | ابن كثير / علي شيري