تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
العراق من تمهيد الممالك لمعاوية ، فقام يزيد فقال : إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش ، ومن القلم إلى المنابر ، ومن زياد بن عبيد إلى حرب بني أمية . فقال له معاوية : اجلس فداك أبي وأمي . وعن عطاء بن السائب قال : غضب معاوية على ابنه يزيد فهجره فقال له الأحنف بن قيس : يا أمير المؤمنين إنما هم أولادنا ، ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا ، ونحن لهم سماء ظليلة ، وأرض ذليلة ، إن غضبوا فارضهم ، وإن طلبوا فاعطهم ، ولا تكن عليهم ثقلا فيملوا حياتك ويتمنوا موتك . فقال معاوية : لله درك يا أبا بحر ، يا غلام ائت يزيد فأقره مني السلام وقل له : إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمائة ألف درهم ، ومائة ثوب . فقال يزيد : من عند أمير المؤمنين ؟ فقال : الأحنف ، فقال يزيد : لا جرم لأقاسمنه ، فبعث إلى الأحنف بخمسين ألفا وخمسين ثوبا . وقال الطبراني : حدثنا محمد بن زكريا الغلابي ، ثنا ابن عائشة عن أبيه . قال : كان يزيد في حداثته صاحب شراب يأخذ مأخذ الاحداث ، فأحس معاوية بذلك فأحب أن يعظه في رفق ، فقال : يا بني ما أقدرك على أن تصل إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك وقدرك ، ويشمت بك عدوك ويسئ بك صديقك ، ثم قال : يا بني إني منشدك أبياتا فتأدب بها واحفظها ، فأنشده : انصب نهارا في طلاب العلا * واصبر على هجر الحبيب القريب حتى إذا الليل أتى بالدجا * واكتحلت بالغمض عين الرقيب فباشر الليل بما تشتهي * فإنما الليل نهار الأريب كم فاسق تحسبه ناسكا * قد باشر الليل بأمر عجيب غطى عليه الليل أستاره * فبات في أمن وعيش خصيب ولذة الأحمق مكشوفة * يسعى بها كل عدو مريب ( 1 ) قلت : وهذا كما جاء في الحديث " من ابتلي بشئ من هذه القاذورات فليستتر بستر الله عز وجل " ( 2 ) . وروى المدائني : أن عبد الله بن عباس وفد إلى معاوية فأمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيه فيعزيه في الحسن بن علي ، فلما دخل على ابن عباس رحب به وأكرمه ، وجلس عنده بين يديه ، فأراد ابن عباس أن يرفع مجلسه فأبى وقال : إنما أجلس مجلس المعزي لا المهني ، ثم ذكر الحسن فقال : رحم
هامش
( 1 ) في نسخ البداية المطبوعة قال في الهامش : بالهامش - ونسبة هذا الشعر إلى معاوية فيه نظر والله سبحانه وتعالى أعلم . ( 2 ) أخرجه مالك في الموطأ في الحدود . ح‍ ( 12 ) .
البداية والنهاية — صفحة 250 | ابن كثير / علي شيري