تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
ووليت من ذلك ما وليت ، فإن يك خيرا فأنا أسعد به ، وإن كان غير ذلك شقيت به ، فارفق بالناس وأغمض عما بلغك من قول تؤذي به وتنتقص به ، وطأ عليه يهنك عيشك ، وتصلح لك رعيتك ، وإياك والمناقشة وحمل الغضب ، فإنك تهلك نفسك ورعيتك ، وإياك وخيرة أهل الشرف واستهانتهم والتكبر عليهم ، ولن لهم لينا بحيث لا يروا منك ضعفا ولا خورا ، وأوطئهم فراشك وقربهم إليك وأدنهم منك ، فإنهم يعلموا لك حقك ، ولا تهنهم ولا تستخف بحقهم فيهينوك ويستخفوا بحقك ويقعوا فيك ، فإذا أردت أمرا فادع أهل السن والتجربة من أهل الخير من المشايخ وأهل التقوى فشاورهم ولا تخالفهم ، وإياك والاستبداد برأيك فإن الرأي ليس في صدر واحد ، وصدق من أشار عليك إذا حملك على ما تعرف ، واخزن ذلك عن نسائك وخدمك ، وشمر إزارك ، وتعاهد جندك ، وأصلح نفسك تصلح لك الناس ، لا تدع لهم فيك مقالا فإن الناس سراع إلى الشر ، واحضر الصلاة ، فإنك إذا فعلت ما أوصيك به عرف الناس لك حقك ، وعظمت مملكتك ، وعظمت في أعين الناس ، واعرف شرف أهل المدينة ومكة فإنهم أصلك وعشيرتك ، واحفظ لأهل الشام شرفهم فإنهم أهل طاعتك ، واكتب إلى أهل الأمصار بكتاب تعدهم فيه منك بالمعروف ، فإن ذلك يبسط آمالهم ، وإن وفد عليك وافد من الكور كلها فأحسن إليهم وأكرمهم فإنهم لمن ورائهم ، ولا تسمعن قول قاذف ولا ماحل فإني رأيتهم وزراء سوء . ومن وجه آخر أن معاوية قال ليزيد : إن لي خليلا من أهل المدينة فأكرمه ، قال : ومن هو ؟ قال : عبد الله بن جعفر . فلما وفد بعد موت معاوية على يزيد أضعف جائزته التي كان معاوية يعطيه إياها ، وكانت جائزته على معاوية ستمائة ألف ، فأعطاه يزيد ألف ألف ، فقال له : بأبي أنت وأمي ، فأعطاه ألف ألف أخرى . فقال له ابن جعفر : والله لا أجمع أبوي لاحد بعدك . ولما خرج ابن جعفر من عند يزيد وقد أعطاه ألفي ألف ، رأى على باب يزيد بخاتي مبركات قد قدم عليها هدية من خراسان ، فرجع عبد الله بن جعفر إلى يزيد فسأله منها ثلاث بخاتي ليركب عليها إلى الحج والعمرة ، وإذا وفد إلى الشام على يزيد ، فقال يزيد للحاجب : ما هذه البخاتي التي على الباب ؟ - ولم يكن شعر بها - فقال : يا أمير المؤمنين هذه أربعمائة بختية جاءتنا من خراسان تحمل أنواع الألطاف - وكان عليها أنواع من الأموال كلها - فقال : اصرفها إلى أبي جعفر بما عليها . فكان عبد الله بن جعفر يقول : أتلومونني على حسن الرأي في هذا ؟ - يعني يزيد - . وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم والحلم والفصاحة والشعر والشجاعة وحسن الرأي في الملك . وكان ذا جمال حسن المعاشرة ، وكان فيه أيضا إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات ، وإماتتها في غالب الأوقات . وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، ثنا حياة ، حدثني بشير بن أبي عمرو الخولاني : أن الوليد بن قيس حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون عيا ، ثم يكون خلف يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ،