ففيها ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد سجستان وخراسان حين وفد عليه ، وله من العمر
أربعة وعشرون سنة ، وعزل عنها أخويه عبادا وعبد الرحمن ، وسار سلم إلى عمله فجعل ينتخب
الوجوه والفرسان ، ويحرض الناس على الجهاد ، ثم خرج في جحفل عظيم ليغزو بلاد الترك ،
ومعه امرأته أم محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاص ، فكانت أول امرأة من العرب قطع بها
النهر ، وولدت هناك ولدا أسموه صغدى ، وبعثت ( 1 ) إليها امرأة صاحب صغدى بتاجها من ذهب
ولآل . وكان المسلمون قبل ذلك لا يشتون في تلك البلاد ، فشتى بها سلم بن زياد . وبعث
المهلب بن أبي صفرة إلى تلك المدينة التي هي للترك ، وهي خوارزم فحاصرهم حتى صالحوه على
نيف وعشرين ألف ألف ، وكان يأخذ منهم عروضا عوضا ، فيأخذ الشئ بنصف قيمته فبلغت
قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف ، فحظي بذلك المهلب عند سلم بن زياد .
ثم بعث من ذلك ما اصطفاه ليزيد بن معاوية مع مرزبان ومعه وفد ، وصالح سلم أهل
سمرقند في هذه الغزوة على مال جزيل . وفيها عزل يزيد عن إمرة الحرمين عمرو بن سعيد وأعاد
إليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، فولاه المدينة ، وذلك أن ابن الزبير لما بلغه مقتل الحسين شرع
يخطب الناس ويعظم قتل الحسين وأصحابه جدا ، ويعيب على أهل الكوفة وأهل العراق ما صنعوه
من خذلانهم الحسين ، ويترحم على الحسين ويلعن من قتله ، ويقول : أما والله لقد قتلوه طويلا
بالليل قيامه ، كثيرا في النهار صيامه ، أما والله ما كان يستبدل بالقرآن الغنا والملاهي ، ولا بالبكاء
من خشية الله اللغو والحداء ، ولا بالصيام شرب المدام وأكل الحرام ، ولا بالجلوس في حلق الذكر
طلب الصيد ، - يعرض في ذلك بيزيد بن معاوية - فسوف يلقون غيا ، ويؤلب الناس على بني أمية
ويحثهم على مخالفته وخلع يزيد . فبايعه خلق كثير في الباطن ، وسألوه أن يظهرها فلم يمكنه ذلك
مع وجود عمرو بن سعيد ، وكان شديدا عليه ولكن فيه رفق ، وقد كان كاتبه أهل المدينة
وغيرهم ، وقال الناس : أما إذ قتل الحسين فليس ينازع أحد أبن الزبير ، فلما بلغ ذلك يزيد شق
ذلك عليه وقيل له : إن عمرو بن سعيد لو شاء لبعث إليك برأس ابن الزبير ، أو يحاصره حتى
يخرجه من الحرم ، فبعث فعزله وولى الوليد بن عتبة فيها ، وقيل في مستهل ذي الحجة ، فأقام
للناس الحج فيها ، وحلف يزيد ليأتيني ابن الزبير في سلسلة من فضة ، وبعث بها مع البريد ومعه
برنس من خز ليبر يمينه ، فلما مر البريد على مروان وهو بالمدينة وأخبره بما هو قاصد له وما معه من
الغل أنشأ مروان يقول :
فخذها فما هي للعزيز بخطة * وفيها مقال لامرئ متذلل
أعامر إن القوم ساموك خطة * وذلك في الجيران غزل بمغزل
هامش
( 1 ) في الطبري 6 / 273 وابن الأثير 4 / 97 : أن أم محمد استعارت منها حليا فبعثت إليها بتاجها ولم تعده إليها
وذهبت به .