تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
وأما ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح ، فإنه قل من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا ، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض ، وأكثرهم أصابهم الجنون . وللشيعة والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة ، وفيما ذكرنا كفاية ، وفي بعض ما أوردناه نظر ، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سقته ، وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى ، وقد كان شيعيا ، وهو ضعيف الحديث عند الأئمة ، ولكنه أخباري حافظ ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره ، ولهذا يترامى عليه كثير من المصنفين في هذا الشأن ممن بعده والله أعلم . وقد أسرف الرافضة في دولة بني بويه في حدود الأربعمائة وما حولها فكانت الدبادب ( 1 ) تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء ، ويذر الرماد والتبن في الطرقات والأسواق ، وتعلق المسوح على الدكاكين ، ويظهر الناس الحزن والبكاء ، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلتئذ موافقة للحسين لأنه قتل عطشانا . ثم تخرج النساء حاسرات عن وجههن ينحن ويلطمن وجوههن وصدورهن ، حافيات في الأسواق إلى غير ذلك من البدع الشنيعة ، والأهواء الفظيعة ، والهتائك المخترعة وإنما يريدون بهذا وأشباهه أن يشنعوا على دولة بني أمية ، لأنه قتل في دولتهم . وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب ( 2 ) من أهل الشام ، فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم ويتخذون ذلك اليوم عيدا يصنعون فيه أنواع الأطعمة ، ويظهرون السرور والفرح ، يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم . وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه ، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك ، والتحذير منه ، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله ، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها ، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الأمة كلها بكمالها ونتهم على نبيها صلى الله عليه وسلم ، فليس الامر كما ذهبوا إليه ، ولا كما سلكوه ، بل أكثر الأئمة قديما وحديثا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه ، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله ، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة . فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون في الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه
هامش
( 1 ) الدبادب : الطبول . ( 2 ) النواصب : ويقال الناصبية وأهل النصب المتدينون ببغضة علي بن أبي طالب ( رض ) لأنهم نصبوا له .