بالرغبة والرهبة ، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه . وليس كل ذلك الجيش كان راضيا بما
وقع من قتله ، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم ، ولا كرهه ، والذي يكاد يغلب على
الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه ، وكما صرح هو به مخبرا عن
نفسه بذلك . وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو ، ولكن لم يعزله على ذلك
ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم .
فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله رضي الله عنه ، فإنه من سادات المسلمين ، وعلماء
الصحابة وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي أفضل بناته ، وقد كان عابدا وشجاعا وسخيا ، ولكنه
لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء ، وقد كان أبوه
أفضل منه فقتل ، وهم لا يتخذون مقتله مأتما كيوم مقتل الحسين ، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو
خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين ، وكذلك عثمان كان أفضل من
علي عند أهل السنة والجماعة ، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة
سنة ست وثلاثين ، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد ، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتما ، وكذلك
عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي ، قتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ
القرآن ، ولم يتخذ الناس يوم مقتله مأتما ، وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته
مأتما ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله ،
ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتما يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين ،
ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شئ مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة ،
مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك .
وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه علي بن الحسين عن جده
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها
استرجاعا إلا أعطاه الله من الاجر مثل يوم أصيب منها " ( 1 ) . رواه الإمام أحمد وابن ماجة .
وأما قبر الحسين رضي الله عنه
فقد اشتهر عند كثير من المتأخرين أنه في مشهد علي . بمكان من الطف عند نهر كربلاء ،
فيقال إن ذلك المشهد مبني على قبره فالله أعلم . وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عفي أثره
حتى لم يطلع أحد على تعيينه بخبر . وقد كان أبو نعيم ، الفضل بن دكين ، ينكر على من يزعم أنه
يعرف قبر الحسين . وذكر هشام بن الكلبي أن الماء لما أجري على قبر الحسين ليمحي أثره نضب
هامش
( 1 ) مسند أحمد ج 1 / 201 أخرجه من طريق عباد بن عباد عن الحسين بن علي . وابن ماجة من طريق هشام بن
زياد : في الجنائز - ( 55 ) باب - ح ( 1600 ) ص 1 / 510 .