تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
فصفهم فجعل على ميمنته زهير بن القين ، وعلى الميسرة حبيب بن المطهر ( 1 ) ، وأعطي رايته العباس بن علي أخاه ، وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم ، وقد أمر الحسين من الليل فحفروا وراء بيوتهم خندقا وقذفوا فيه حطبا وخشبا وقصبا ، ثم أضرمت فيه النار لئلا يخلص أحد إلى بيوتهم من ورائها . وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن - واسم ذي الجوشن شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية من بني الضباب بن كلاب - وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي ، وعلى الرجالة شبيث ( 2 ) بن ربعي ، وأعطى الراية لوردان ( 3 ) مولاه ، وتواقف الناس في ذلك الموضع ، فعدل الحسين إلى خيمة قد نصبت فاغتسل فيها وانطلى بالنورة وتطيب بمسك كثير ، ودخل بعده بعض الامراء ففعلوا كما فعل ، فقال بعضهم لبعض : ما هذا في هذه الساعة ؟ فقال بعضهم : دعنا منك ، والله ما هذه بساعة باطل ، فقال يزيد بن حصين ( 4 ) : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاحقون ( 5 ) ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء القوم فيقتلوننا . ثم ركب الحسين على فرسه وأخذ مصحفا فوضعه بين يديه ، ثم استقبل القوم رافعا يديه يدعو بما تقدم ذكره : اللهم أنت ثقتي في كل كرب : ورجائي في كل شدة ، إلى آخره . وركب ابنه علي بن الحسين - وكان ضعيفا مريضا - فرسا يقال له الأحمق ( 6 ) ونادى الحسين أيها الناس : اسمعوا مني نصيحة أقولها لكم ، فأنصت الناس كلهم ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : أيها الناس إن قبلتم مني وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لم علي سبيل ، وإن لم تقبلوا مني * ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون . إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ) * [ يونس : 71 ] . فلما سمع ذلك أخواته وبناته ارتفعت أصواتهن بالبكاء فقال عند ذلك : لا يبعد الله ابن عباس . - يعني حين أشار عليه أن لا يخرج بالنساء معه ويدعهن بمكة إلى أن ينتظم الامر - ثم بعث أخاه العباس فسكتهن ، ثم شرع يذكر للناس فضله وعظمة نسبه وعلو قدره وشرفه ، ويقول : راجعوا أنفسكم وحاسبوها . هل يصلح لكم قتال مثلي ، وأنا ابن بنت نبيكم ، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري ؟ وعلي أبي ، وجعفر ذو الجناحين عمي ، وحمزة سيد الشهداء عم أبي ؟ وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأخي : " هذان سيدا شباب أهل الجنة " ( 7 ) . فإن صدقتموني بما
هامش
( 1 ) في الطبري : مظاهر ، وفي الاخبار الطوال ص 256 : مظهر . ( 2 ) في الطبري : شبث بن ربعي . ( 3 ) في الطبري : ذو يد ، وفي الاخبار الطوال : زيد . ( 4 ) انظر هامش 2 ص 192 . ( 5 ) في الطبري : لاقون . ( 6 ) في الطبري : لاحق . ( 7 ) تقدم تخريجه .
البداية والنهاية — صفحة 193 | ابن كثير / علي شيري