فصفهم فجعل على ميمنته زهير بن القين ، وعلى الميسرة حبيب بن المطهر ( 1 ) ، وأعطي رايته
العباس بن علي أخاه ، وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم ، وقد أمر الحسين من الليل
فحفروا وراء بيوتهم خندقا وقذفوا فيه حطبا وخشبا وقصبا ، ثم أضرمت فيه النار لئلا يخلص أحد
إلى بيوتهم من ورائها . وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى الميسرة
شمر بن ذي الجوشن - واسم ذي الجوشن شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية من بني
الضباب بن كلاب - وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي ، وعلى الرجالة شبيث ( 2 ) بن ربعي ،
وأعطى الراية لوردان ( 3 ) مولاه ، وتواقف الناس في ذلك الموضع ، فعدل الحسين إلى خيمة قد
نصبت فاغتسل فيها وانطلى بالنورة وتطيب بمسك كثير ، ودخل بعده بعض الامراء ففعلوا كما
فعل ، فقال بعضهم لبعض : ما هذا في هذه الساعة ؟ فقال بعضهم : دعنا منك ، والله ما هذه
بساعة باطل ، فقال يزيد بن حصين ( 4 ) : والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا ،
ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاحقون ( 5 ) ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء
القوم فيقتلوننا . ثم ركب الحسين على فرسه وأخذ مصحفا فوضعه بين يديه ، ثم استقبل القوم
رافعا يديه يدعو بما تقدم ذكره : اللهم أنت ثقتي في كل كرب : ورجائي في كل شدة ، إلى آخره .
وركب ابنه علي بن الحسين - وكان ضعيفا مريضا - فرسا يقال له الأحمق ( 6 ) ونادى الحسين أيها
الناس : اسمعوا مني نصيحة أقولها لكم ، فأنصت الناس كلهم ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه :
أيها الناس إن قبلتم مني وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لم علي سبيل ، وإن لم تقبلوا
مني * ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون . إن
وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ) * [ يونس : 71 ] .
فلما سمع ذلك أخواته وبناته ارتفعت أصواتهن بالبكاء فقال عند ذلك : لا يبعد الله ابن
عباس . - يعني حين أشار عليه أن لا يخرج بالنساء معه ويدعهن بمكة إلى أن ينتظم الامر - ثم بعث
أخاه العباس فسكتهن ، ثم شرع يذكر للناس فضله وعظمة نسبه وعلو قدره وشرفه ، ويقول :
راجعوا أنفسكم وحاسبوها . هل يصلح لكم قتال مثلي ، وأنا ابن بنت نبيكم ، وليس على وجه
الأرض ابن بنت نبي غيري ؟ وعلي أبي ، وجعفر ذو الجناحين عمي ، وحمزة سيد الشهداء عم
أبي ؟ وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأخي : " هذان سيدا شباب أهل الجنة " ( 7 ) . فإن صدقتموني بما
هامش
( 1 ) في الطبري : مظاهر ، وفي الاخبار الطوال ص 256 : مظهر .
( 2 ) في الطبري : شبث بن ربعي .
( 3 ) في الطبري : ذو يد ، وفي الاخبار الطوال : زيد .
( 4 ) انظر هامش 2 ص 192 .
( 5 ) في الطبري : لاقون .
( 6 ) في الطبري : لاحق .
( 7 ) تقدم تخريجه .