تدركوا منهما إلا سوء عموم سلطانهما ، يسملان أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويمثلان
بكم ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم ، أمثال حجر بن عدي وأصحابه ، وهانئ بن عروة وأشباهه .
قال : فسبوه وأثنوا على ابن زياد ودعوا له ، وقالوا : لا ننزع حتى نقتل صاحبك ومن معه . فقال
لهم : إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية ، فإن أنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن
تقتلوهم ، خلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية ، نذهب حيث شاء ، فلعمري إن
يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين . قال : فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال له :
اسكت أسكت الله نامتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك ، فقال له زهير : يا بن البوال على عقبيه ، ما
إياك أخاطب ؟ إنما أنت بهيمة ، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين ، فأبشر بالخزي يوم
القيامة والعذاب الأليم . فقال له شمر : إن الله قاتلك وصاحبك بعد ساعة ، فقال له زهير :
أبالموت تخوفني ؟ فوالله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم . ثم إن زهيرا أقبل على الناس رافعا
صوته يقول : عباد الله لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه ، فوالله لا ينال شفاعة
محمد صلى الله عليه وسلم قوم أهرقوا دماء ذريته ، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم .
وقال الحر بن يزيد لعمر بن سعد : أصلحك الله ! أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال : إي
والله قتالا أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي ، وكان الحر من أشجع أهل الكوفة ، فلامه
بعض أصحابه على الذهاب إلى الحسين ، فقال له : والله إني أخير نفسي بين الجنة والنار ، ووالله
لا أختار على الجنة غيرها ولو قطعت وحرقت . ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين فاعتذر إليه بما
تقدم ، ثم قال : يا أهل الكوفة لأمكم الهبل ، أدعوتم الحسين إليكم حتى إذا أتاكم أسلمتموه
وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ، ثم عدوتم عليه لتقتلوه ، ومنعتموه التوجه في بلاد الله
العريضة الوسيعة التي لا يمنع فيها الكلب والخنزير ، وحلتم بينه وبين الماء الفرات الجاري الذي
يشرب منه الكلب والخنزير وقد صرعهم العطش ؟ بئس ما خلفتم محمدا في ذريته ، لا سقاكم الله
يوم الظمأ الأكبر إن لم تتوبوا وترجعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه . فحملت
عليه رجالة لهم ترميه بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين . وقال لهم عمر بن سعد : لو كان الامر
لي لأحببت الحسين إلى ما طلب ولكن أبى علي عبيد الله بن زياد ، وقد خاطب أهل الكوفة وأنبهم
ووبخهم وسبهم ، فقال لهم الحر بن يزيد : ويحكم منعتم الحسين ونساءه وبناته الماء الفرات الذي
يشرب منه اليهود والنصارى ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، فهو كالأسير في أيديكم لا يملك
لنفسه ضرا ولا نفعا .
قال فتقدم عمر بن سعد وقال لمولاه : يا دريد ( 1 ) أدن رأيتك ، فأدناها ثم شمر عن ساعده
ورمى بسهم وقال : أشهدوا أني أول من رمى القوم ، قال : فترامى الناس بالنبال ، وخرج يسار
هامش
( 1 ) في الاخبار الطوال ص 256 : زيد . وفي الطبري : زويد .