الغربي ، فلما كان يوم الأربعاء رابع المحرم توصل جماعة من جند السلطان إلى دار الخلافة فحصل فيها
ألف مقاتل عليهم السلاح ، فنهبوا الأموال ، وخرج الجواري وهن حاسرات يستغثن حتى دخلن دار
الخاتون . قال ابن الجوزي : وأنا رأيتهن كذلك ، فلما وقع ذلك ركب الخليفة في جيشه وجئ
بالسفن وانقلبت بغداد بالصراخ حتى كأن الدنيا قد زلزلت ، وثارت العامة مع جيش الخليفة فكسروا
جيش السلطان وقتلوا خلقا من الامراء ، وأسروا آخرين ونهبوا دار السلطان ودار وزيره ودار طبيبه أبي
البركات ، وأخذوا ما كان في داره من الودائع ، ومرت خبطة عظيمة جدا ، حتى أنهم نهبوا
الصوفية ، برباط نهر جور ، وجرت أمور طويلة ، ونالت العامة من السلطان ، وجعلوا يقولون له :
يا باطني تترك الفرنج والروم وتقاتل الخليفة ، ثم إن الخليفة انتقل إلى داره في سابع المحرم ، فلما كان
في يوم عاشوراء تماثل الحال وطلب السلطان من الخليفة الأمان والصلح ، فلان الخليفة إلى ذلك ،
وتباشر الناس بالصلح ، فأرسل إليه الخليفة نقيب النقباء وقاضي القضاة ، وشيخ الشيوخ وبضعا
وثلاثين شاهدا ، فاحتبسهم السلطان عنده ستة أيام فساء ذلك الناس ، وخافوا من فتنة أخرى أشد
من الأولى ، وكان برنقش الزكوي شحنة بغداد يغري السلطان بأهل بغداد لينهب أموالهم ، فلم يقبل
منه ، تم أدخل لأولئك الجماعة فأدخلوا عليه وقت المغرب فصلى بهم القاضي وقرأوا عليه كتاب
الخليفة ، فقام قائما ، وأجاب الخليفة إلى جميع ما اقترح عليه ، ووقع الصلح والتحليف ، ودخل
جيش السلطان وهم في غاية الجهد من قلة الطعام عندهم في العسكر ، وقالوا : لو لم يصلح لمتنا
جوعا ، وظهر من السلطان حلم كثير عن العوام ، وأمر الخليفة برد ما نهب من دور الجند ، وأن من
كتم شيئا أبيح دمه . وبعث الخليفة علي بن طراد الزينبي النقيب إلى السلطان سنجر ليبعد عن بابه
دبيسا ، وأرسل معه الخلع والاكرام ، فأكرم سنجر رسول الخليفة ، وأمر بضرب الطبول على بابه في
ثلاثة أوقات ، وظهر منه طاعة كثيرة ، ثم مرض السلطان محمود ببغداد فأمره الطبيب بالانتقال عنها
إلى همذان ، فسار في ربيع الآخر فوضع شحنكية بغداد إلى عماد الدين زنكي ، فلما وصل السلطان
إلى همذان بعث على شحنكية بغداد مجاهد الدين بهروز ، وجعل إليه الحلة وبعث عماد الدين زنكي
إلى الموصل وأعمالها . وفيها درس الحسن بن سليمان بالنظامية ببغداد . وفيها ورد أبو الفتوح
الأسفراييني فوعظ ببغداد ، فأورد أحاديث كثيرة منكرة جدا ، فاستتيب منها وأمر بالانتقال منها إلى
غيرها فشد معه جماعة من الأكابر وردوه إلى ما كان عليه ، فوقع بسببه فتن كثيرة بين الناس ، حتى
رجمه بعض العامة بالأسواق ، وذلك لأنه كان يطلق عبارات لا يحتاج إلى إيرادها ، فنفرت منه قلوب
العامة وأبغضوه ، وجلس الشيخ عبد القادر الجيلي فتكلم على الناس فأعجبهم ، وأحبوه وتركوا
ذاك . وفيها قتل السلطان سنجر من الباطنية اثنا عشر ألفا ( 1 ) . وحج بالناس قطز الخادم .
وممن توفي فيها من الأعيان . .
هامش
( 1 ) في الكامل 10 / 647 : كانوا يزيدون على عشرة آلاف نفس .