ثم دخلت سنة عشرين وخمسمائة
فيها تراسل السلطان محمود والخليفة على السلطان سنجر ، وأن يكونا عليه ، فلما علم بذلك
سنجر كتب إلى ابن أخيه محمود ينهاه ويستميله إليه ، ويحذره من الخليفة ، وأنه لا تؤمن غائلته ، وأنه
متى فرغ مني دار إليك فأخذك ، فأصغى إلى قول عمه ورجع عن عزمه ، وأقبل ليدخل بغداد عامه
ذلك ، فكتب إليه الخليفة ينهاه عن ذلك لقلة الأقوات بها ، فلم يقبل منه ، وأقبل إليه ، فلما أزف
قدومه خرج الخليفة من داره وتجهز إلى الجانب الغربي فشق عليه ذلك وعلى الناس ، ودخل عيد
الأضحى فخطب الخليفة الناس بنفسه خطبة عظيمة بليغة فصيحة جدا ، وكبر وراءه خطباء
الجوامع ، وكان يوما مشهودا . وقد سردها ابن الجوزي بطولها ورواها عن من حضرها ، مع قاضي
القضاة الزينبي ، وجماعة من العدول ، ولما نزل الخليفة عن المنبر ذبح البدنة بيده ، ودخل السرادق
وتباكى الناس ودعوا للخليفة بالتوفيق والنصر ، ثم دخل السلطان محمود إلى بغداد يوم الثلاثاء الثامن
عشر ( 1 ) من ذي الحجة ، فنزلوا في بيوت الناس وحصل للناس منهم أذى كثير في حريمهم ، ثم إن
السلطان راسل الخليفة في الصلح فأبى ذلك الخليفة ، وركب في جيشه وقاتل الأتراك ومعه شرذمة
قليلة من المقاتلة ، ولكن العامة كلهم معه ، وقتل من الأتراك خلقا ، ثم جاء عماد الدين زنكي في
جيش كثيف من واسط في سفن إلى السلطان نجدة ، فلما استشعر الخليفة ذلك دعا إلى الصلح ،
فوقع الصلح بين السلطان والخليفة ، وأخذ الملك يستبشر بذلك جدا ، ويعتذر إلى الخليفة مما وقع ،
ثم خرج في أول السنة الآتية إلى همذان لمرض حصل له . وفيها كان أول مجلس تكلم فيه ابن الجوزي
على المنبر يعظ الناس ، وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة ، وحضره الشيخ أبو القاسم علي بن يعلى
العلوي البلخي ، وكان نسيبا ، علمه كلمات ثم أصعده المنبر فقالها ، وكان يوما مشهودا . قال ابن
الجوزي : وحزر الجمع يومئذ بخمسين ألفا ، والله أعلم . وفيها اقتتل طغتكين صاحب دمشق
وأعداؤه من الفرنج فقتل منهم خلقا كثيرا ، وغنم منهم أموالا جزيلة ولله الحمد والمنة .
وممن توفي فيها من الأعيان . .
أحمد بن محمد بن محمد
أبو الفتح الطوسي الغزالي ، أخو أبي حامد الغزالي ، كان واعظا مفوها ، ذا حظ من الكلام
والزهد وحسن التأني ، وله نكت جيدة ، ووعظ مرة في دار الملك محمود فأطلق له ألف دينار ، وخرج
فإذا على الباب فرس الوزير بسرجها الذهب ، وسلاحها وما عليها من الحلى ، فركبها ، فبلغ ذلك
هامش
( 1 ) في الكامل : في العشرين من ذي الحجة ، وفي العبر 3 / 504 : في عشر ذي الحجة .