ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
في المحرم منها دخل السلطان محمود إلى بغداد ، واجتهد في إرضاء الخليفة عن دبيس ، وأن
يسلم إليه بلاد الموصل ، فامتنع الخليفة من ذلك وأبى أشد الاباء ، هذا وقد تأخر دبيس عن الدخول
إلى بغداد ، ثم دخلها وركب بين الناس فلعنوه وشتموه في وجهه ، وقدم عماد الدين زنكي فبذل
للسلطان في كل سنة مائة ألف دينار ، وهدايا وتحفا ، والتزم للخليفة بمثلها على أن لا يولي دبيسا شيئا
وعلى أن يستمر زنكي على عمله بالموصل ، فأقره على ذلك وخلع عليه ، ورجع إلى عمله فملك حلب
وحماه ، وأسر صاحبها سونج بن تاج الملوك ، فافتدى نفسه بخمسين ألف دينار . وفي يوم الاثنين
سلخ ربيع الآخر خلع السلطان على نقيب النقباء استقلالا ، ولا يعرف أحد من العباسيين باشر
الوزارة غيره . وفي رمضان منها جاء دبيس في جيش إلى الحلة فملكها ودخلها في أصحابه ، وكانوا
ثلاثمائة فارس ، ثم إنه شرع في جمع الأموال وأخذ الغلات من القرى حتى حصل نحوا من خمسمائة
ألف دينار ، واستخدم قريبا من عشرة آلاف مقاتل ، وتفاقم الحال بأمره ، وبعث إلى الخليفة
يسترضيه فلم يرض عليه ، وعرض عليه أموالا فلم يقبلها ، وبعث إليه السلطان جيشا فانهزم إلى
البرية ثم أغار على البصرة فأخذ منها حواصل السلطان والخليفة ، ثم دخل البرية فانقطع خبره . وفي
هذه السنة قتل صاحب دمشق من الباطنية ستة آلاف ، وعلق رؤوس كبارهم على باب القلعة ، وأراح
الله الشام منهم . وفيها حاصرت الفرنج مدينة دمشق فخرج إليهم أهلها ، فقاتلوهم قتالا شديدا ،
وبعث أهل دمشق عبد الله الواعظ ومعه جماعة من التجار يستغيثون بالخليفة ، وهموا بكسر منبر
الجامع ، حتى وعدهم بأنه سيكتب إلى السلطان ليبعث لهم جيشا يقاتلون الفرنج ، فسكنت الأمور ،
فلم يبعث لهم جيشا حتى نصرهم الله من عنده ، فإن المسلمين هزموهم وقتلوا منهم عشر آلاف ، ولم
يفلت منهم سوى ( 1 ) أربعين نفسا ولله الحمد والمنة . وقتل بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية ( 2 ) . وفيها
تخبط الناس في الحج حتى ضاق الوقت بسبب فتنة دبيس ، حتى حج بهم برنقش الزكوي ، وكان
اسمه بغاجق .
وممن توفي فيها من الأعيان . .
أسعد بن أبي نصر
الميهني أبو الفتح ، أحد أئمة الشافعية في زمانه ، تفقه على أبي المظفر السمعاني ، وساد أهل
هامش
( 1 ) قال ابن الأثير في تاريخه : لم يفلت منهم غير مقدمهم ومعه أربعون رجلا .
( 2 ) ذكر ابن الأثير وفاته سنة 524 ه ، بعد أن استولى سنة 523 على حصن القدموس من المسلمين .