تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
الكبار ، من رؤس الشافعية ، ولد سنة خمسين وأربعمائة ، واشتغل على إمام الحرمين ، وكان هو والغزالي أكبر التلامذة ، وقد ولي كل منهما تدريس النظامية ببغداد ، وقد كان أبو الحسن هذا فصيحا جهوري الصوت جميلا ، وكان يكرر لعن إبليس على كل مرقاة من مراقي النظامية بنيسابور سبع مرات ، وكانت المراقي سبعين مرقاة ، وقد سمع الحديث الكثير ، وناظر وأفتى ودرس ، وكان من أكابر الفضلاء وسادات الفقهاء ، وله كتاب يرد فيه على ما انفرد به الإمام أحمد بن حنبل في مجلد ، وله غيره من المصنفات ، وقد اتهم في وقت بأنه يمالئ الباطنية ، فنزع منه التدريس ثم شهد جماعة من العلماء ببراءته من ذلك منهم ابن عقيل ، فأعيد إليه . توفي في يوم الخميس مستهل محرم من هذه السنة عن أربع وخمسين سنة ودفن إلى جانب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي . وذكر ابن خلكان : أنه كان يحفظ الحديث ويناظر به ، وهو القائل : إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح ، طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرياح ، وحكى السلفي عنه : أنه استفتي في كتبة الحديثة هل يدخلون في الوصية للفقهاء ؟ فأجاب : نعم لقوله صلى الله عليه وسلم " من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه الله عالما " . واستفتي في يزيد بن معاوية فذكر عنه تلاعبا وفسقا ، وجوز شتمه ، وأما الغزالي فإنه خالف في ذلك ، ومنع من شتمه ولعنه ، لأنه مسلم ، ولم يثبت بأنه رضي بقتل الحسين ، ولو ثبت لم يكن ذلك مسوغا للعنه ، لان القاتل لا يلعن ، لا سيما وباب التوبة مفتوح ، والذي يقبل التوبة من عباده غفور رحيم . قال الغزالي : وأما الترحم عليه فجائز ، بل مستحب ، بل نحن نترحم عليه في جملة المسلمين والمؤمنين ، عموما في الصلوات . ذكره ابن خلكان مبسوطا بلفظه في ترجمة الكيا هذا ، قال : والكيا كبير القدر مقدم معظم والله أعلم . ثم دخلت سنة خمس وخمسمائة . فيها بعث السلطان غياث الدين جيشا كثيفا ، صحبة الأمير مودود بن زنكي صاحب الموصل ، في جملة أمراء ونواب ، منهم سكمان القطبي ، صاحب تبريز ، وأحمد يل صاحب مراغة ، والأمير إيلغازي صاحب ماردين ( 1 ) ، وعلى الجميع الأمير مودود صاحب الموصل ، لقتال الفرنج بالشام ، فانتزعوا من أيدي الفرنج حصونا كثيرة ، وقتلوا منهم خلقا كثيرا ولله الحمد ، ولما دخلوا دمشق دخل الأمير مودود إلى جامعها ليصلي فيه فجاءه باطني في زي سائل فطلب منه شيئا فأعطاه ، فلما اقترب منه ضربه في فؤاده فمات من ساعته ( 2 ) ، ووجد رجل أعمى في سطح الجامع ببغداد معه
هامش
( 1 ) لم يشارك الأمير إيلغازي في الجيش ، بل سير ولده إياز وأقام هو . ( الكامل 10 / 485 ) وفي تاريخ ابن خلدون 5 / 194 : إياز أخو أبي الغازي صاحب ماردين . ( 2 ) قال ابن الأثير في تاريخه أن قتله كان سنة 507 ه‍ في ربيع الأول ، وفي رواية أخرى قال : وقيل خافه طغتكين فوضع عليه من قتله . وهذا أيضا ما أشار إليه ابن خلدون 5 / 195 .
البداية والنهاية — صفحة 213 | ابن كثير / علي شيري