تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
خمسين . وكان عادلا كثير الاحسان إلى الناس رحمه الله . وغسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الحنبلي عن وصية الخليفة بذلك ، فلما غسله عرض عليه ما هنالك من الأثاث والأموال ، فلم يقبل منه شيئا ، وصلى على الخليفة في صبيحة يوم الخميس المذكور ، ودفن عند أجداده ، ثم نقل إلى الرصافة ، فقبره يزار إلى الآن وغلقت الأسواق لموته ، وعلقت المسوح ، وناحت عليه نساء الهاشميين وغيرهم ، وجلس الوزير ابن جهير وابنه للعزاء على الأرض ، وخرق الناس ثيابهم ، وكان يوما عصيبا ، واستمر الحال كذلك ثلاثة أيام ، وقد كان من خيار بني العباس دينا واعتقادا ودولة ، وقد امتحن من بينهم بفتنة البساسيري التي اقتضت إخراجه من داره ومفارقته أهله وأولاده ووطنه ، فأقام بحديثة عانة سنة كاملة ثم أعاد الله تعالى نعمته وخلافته . قال الشاعر : فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم * إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر وقد تقدم له في ذلك سلف صالح كما قال تعالى ( ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ) [ ص : 34 ] وقد ذكرنا ملخص ما ذكره المفسرون في سورة ص ، وبسطنا الكلام عليه في هذه القصة العباسية والفتنة البساسيرية في سنة خمسين ، وإحدى وخمسين وأربعمائة .

خلافة المقتدي بأمر الله

وهو أبو القاسم عدة الدين عبد الله بن الأمير ذخيرة الدين أبي القاسم محمد بن الخليفة القائم بأمر الله بن القادر العباسي ، وأمه أرمنية تسمى أرجوان ، وتدعى قرة العين ، وقد أدركت خلافة ولدها هذا ، وخلافة ولديه من بعده ، المستظهر والمسترشد . وقد كان أبوه توفي وهو حمل ، فحين ولد ذكرا فرح به جده والمسلمون فرحا شديدا ، إذ حفظ الله على المسلمين بقاء الخلافة في البيت القادري ، لان من عداهم كانوا يتبذلون في الأسواق ، ويختلطون مع العوام ، وكانت القلوب تنفر من تولية مثل أولئك الخلافة على الناس ، ونشأ هذا في حجر جده القائم بأمر الله يربيه بما يليق بأمثاله ، ويدربه على أحسن السجايا ولله الحمد ، وقد كان المقتدي حين ولي الخلافة عمره عشرين سنة ، وهو في غاية الجمال خلقا وخلقا ، وكانت بيعته يوم الجمعة الثالث عشر من شعبان من هذه السنة ، وجلس في دار الشجرة ، بقميص أبيض ، وعمامة بيضاء لطيفة ، وطرحة قصب أدريه ، وجاء الوزراء والامراء والأشراف ووجوه الناس فبايعوه ، فكان أول من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الحنبلي ، وأنشده قول الشاعر : * إذا سيد منا مضى قام سيد * ثم ارتج عليه فلم يدر ما بعده ، فقال الخليفة قؤول بما قال الكرام فعول * وبايعه من شيوخ العلم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، والشيخ أبو نصر بن الصباغ ،