تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
سفر واعتراه مرض فاستأذن الخليفة في الانصراف بالسيدة معه إلى تلك البلاد ، ثم يعود بها ، فأذن له بعد تمنع شديد ، وحزن عظيم ، فخرج بها وليس معها من دار الخلافة سوى ثلاث نسوة ، برسم خدمتها ، وقد تألمت والدتها لفقدها ألما شديدا ، وخرج السلطان وهو مريض مدنف مأيوس منه . فلما كانت ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان جاء الخبر بأنه توفي في ثامن الشهر ، فثار العيارون فقتلوا العميدي وسبعمائة من أصحابه ، ونهبوا الأموال ، وجعلوا يأكلون ويشربون على القتلى نهارا ، حتى انسلخ الشهر وأخذت البيعة بعده لولد أخيه سليمان بن داود ، وكان ظغرلبك قد نص عليه وأوصى إليه ، لأنه كان قد تزوج بأمه ، واتفقت الكلمة عليه ، ولم يبق عليه خوف إلا من جهة أخي سليمان ، وهو الملك عضد الدولة ألب أرسلان ، محمد بن داود ، فإن الجيش كانوا يميلون إليه ، وقد خطب له أهل الجبل ومعه نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق وزيره ، ولما رأى الكندري قوة أمره خطب له بالري ، ثم من بعده لأخيه سليمان بن داود . وقد كان الملك طغرلبك حليما كثير الاحتمال ، شديد الكتمان للسر ، محافظا على الصلوات ، وعلى صوم الاثنين والخميس ، مواظبا على لبس البياض ، وكان عمره يوم مات سبعين سنة ، ولم يترك ولدا ، وملك بحضرة القائم بأمر الله سبع سنين وإحدى عشر شهرا ، واثني عشر يوما ، ولما مات اضطربت الأحوال وانتقضت بعده جدا ، وعاثت الاعراب في سواد بغداد وأرض العراق ، ينهبون ، وتعذرت الزراعة إلا على المخاطرة ، فانزعج الناس لذلك . وفيها كانت زلزلة عظيمة بواسط وأرض الشام ، فهدمت قطعة من سور طرابلس . وفيها وقع بالناس موتان بالجدري والفجأة ، ووقع بمصر وباء شديد ، كان يخرج منها كل يوم ألف جنازة . وفيها ملك الصليحي صاحب اليمن مكة ، وجلب الأقوات إليها ، وأحسن إلى أهلها . وفي أوائلها طلبت الست أرسلان زوجة الخليفة النقلة من عنده إلى عمها ، وذلك لما هجرها وبارت عنده ، فبعثها مع الوزير الكندري إلى عمها ، فلما وصلت إليه كان مريضا مدنفا ، فأرسل إلى الخليفة يعتب عليه في تهاونه بها ، فكتب الخليفة إليه ارتجالا : ذهبت شرتي وولى الغرام * وارتجاع الشباب ما لا يرام أذهبت مني الليالي جديدا * والليالي يضعفن والأيام فعلى ما عهدته من شبابي * وعلى الغانيات مني السلام وممن توفي فيها من الأعيان . . .
البداية والنهاية — صفحة 110 | ابن كثير / علي شيري