سفر واعتراه مرض فاستأذن الخليفة في الانصراف بالسيدة معه إلى تلك البلاد ، ثم يعود بها ، فأذن له
بعد تمنع شديد ، وحزن عظيم ، فخرج بها وليس معها من دار الخلافة سوى ثلاث نسوة ، برسم
خدمتها ، وقد تألمت والدتها لفقدها ألما شديدا ، وخرج السلطان وهو مريض مدنف مأيوس منه .
فلما كانت ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان جاء الخبر بأنه توفي في ثامن الشهر ، فثار
العيارون فقتلوا العميدي وسبعمائة من أصحابه ، ونهبوا الأموال ، وجعلوا يأكلون ويشربون على
القتلى نهارا ، حتى انسلخ الشهر وأخذت البيعة بعده لولد أخيه سليمان بن داود ، وكان ظغرلبك قد
نص عليه وأوصى إليه ، لأنه كان قد تزوج بأمه ، واتفقت الكلمة عليه ، ولم يبق عليه خوف إلا من
جهة أخي سليمان ، وهو الملك عضد الدولة ألب أرسلان ، محمد بن داود ، فإن الجيش كانوا يميلون
إليه ، وقد خطب له أهل الجبل ومعه نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق وزيره ، ولما رأى
الكندري قوة أمره خطب له بالري ، ثم من بعده لأخيه سليمان بن داود .
وقد كان الملك طغرلبك حليما كثير الاحتمال ، شديد الكتمان للسر ، محافظا على الصلوات ،
وعلى صوم الاثنين والخميس ، مواظبا على لبس البياض ، وكان عمره يوم مات سبعين سنة ، ولم
يترك ولدا ، وملك بحضرة القائم بأمر الله سبع سنين وإحدى عشر شهرا ، واثني عشر يوما ، ولما
مات اضطربت الأحوال وانتقضت بعده جدا ، وعاثت الاعراب في سواد بغداد وأرض العراق ،
ينهبون ، وتعذرت الزراعة إلا على المخاطرة ، فانزعج الناس لذلك .
وفيها كانت زلزلة عظيمة بواسط وأرض الشام ، فهدمت قطعة من سور طرابلس . وفيها وقع
بالناس موتان بالجدري والفجأة ، ووقع بمصر وباء شديد ، كان يخرج منها كل يوم ألف جنازة . وفيها
ملك الصليحي صاحب اليمن مكة ، وجلب الأقوات إليها ، وأحسن إلى أهلها . وفي أوائلها طلبت
الست أرسلان زوجة الخليفة النقلة من عنده إلى عمها ، وذلك لما هجرها وبارت عنده ، فبعثها مع
الوزير الكندري إلى عمها ، فلما وصلت إليه كان مريضا مدنفا ، فأرسل إلى الخليفة يعتب عليه في
تهاونه بها ، فكتب الخليفة إليه ارتجالا :
ذهبت شرتي وولى الغرام * وارتجاع الشباب ما لا يرام
أذهبت مني الليالي جديدا * والليالي يضعفن والأيام
فعلى ما عهدته من شبابي * وعلى الغانيات مني السلام
وممن توفي فيها من الأعيان . . .
البداية والنهاية — صفحة 110
مساهمون: ابن كثير
ص١١٠