تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣

عظيم كبير وتجمل كثير ، فاعترضهم الأصيفر أمير الاعراب ، فبعثوا إليه بشابين قارئين مجيدين كانا معهم ، يقال لهما أبو الحسن الرفا وأبو عبد الله بن الزجاجي ( 1 ) ، وكان من أحسن الناس قراءة ، ليكلماه في شئ يأخذه من الحجيج ، ويطلق سراحهم ليدركوا الحج ، فلما جلسا بين يديه قرآ جميعا عشرا بأصوات هائلة مطربة مطبوعة ، فأدهشه ذلك وأعجبه جدا ، وقال لهما : كيف عيشكما ببغداد ؟ فقالا : بخير لا يزال الناس يكرموننا ويبعثون إلينا بالذهب والفضة والتحف . فقال لهما . هل أطلق لكما أحد منهم بألف ألف دينار في يوم واحد ؟ فقال : لا ، ولا ألف درهم في يوم واحد . قال : فإني أطلق لكما ألف ألف دينار في هذه اللحظة ، أطلق لكما الحجيج كله ، ولولا كما لما قنعت منهم بألف ألف دينار . فأطلق الحجيج كله بسببهما ، فلم يتعرض أحد من الاعراب لهم ، وذهب الناس إلى الحج سالمون شاكرون لذينك الرجلين المقرئين . ولما وقف الناس بعرفات قرأ هذان الرجلان قراءة عظيمة على جبل الرحمة فضج الناس بالبكاء من سائر الركوب لقراءتهما ، وقالوا لأهل العراق : ما كان ينبغي لكم أن تخرجوا معكم بهذين الرجلين في سفرة واحدة ، لاحتمال أن يصابا جميعا ، بل كان ينبغي أن تخرجوا بأحدهما وتدعوا الآخر ، فإذا أصيب سلم الآخر . وكانت الحجة والخطبة للمصريين كما هي لهم من سنين متقدمة ، وقد كان أمير العراق عزم على العود سريعا إلى بغداد على طريقهم التي جاؤوا منها ، وأن لا يسيروا إلى المدينة النبوية خوفا من الاعراب ، وكثرة الخفارات ، فشق ذلك على الناس ، فوقف هذان الرجلان القارئان على جادة الطريق التي منها يعدل إلى المدينة النبوية ، وقرءا ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) الآيات [ التوبة : 120 ] فضج الناس بالبكاء وأمالت النوق أعناقها نحوهما ، فمال الناس بأجمعهم والأمير إلى المدينة النبوية فزاروا وعادوا سالمين إلى بلادهم ولله الحمد والمنة . ولما رجع هذا القارئان رتبهما ولي الأمر مع أبي بكر بن البهلول - وكان مقرئا مجيدا أيضا - ليصلوا بالناس صلاة التراويح في رمضان ، فكثر الجمع وراءهم لحسن تلاوتهم ، وكانوا يطيلون الصلاة جدا ويتناوبون في الإمامة ، يقرأون في كل ركعة بقدر ثلاثين آية ، والناس لا ينصرفون من التراويح إلا في الثلث الأول من الليل ، أو قريب النصف منه . وقد قرأ ابن البهلول يوم في جامع المنصور قول تعالى ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ) [ الحديد : 16 ] فنهض إليه رجل صوفي وهو يتمايل فقال : كيف قلت ؟ فأعاد الآية ، فقال الصوفي : بلى والله ، وسقط ميتا رحمه الله . قال ابن الجوزي : وكذلك وقع لأبي الحسن بن الخشاب شيخ ابن الرفا ، وكان تلميذا لأبي بكر بن الادمي المتقدم ذكره ، وكان جيد القراءة حسن الصوت أيضا ، قرأ ابن الخشاب هذا في جامع الرصافة في الاحياء هذه الآية ( ألم يأن للذين آمنوا ) فتواجد رجل صوفي وقال : بلى والله قد آن ، وجلس وبكى بكاء طويلا ، ثم سكت سكتة فإذا هو ميت رحمه الله . .

هامش
( 1 ) في الكامل 9 / 182 : الدجاجي
البداية والنهاية — صفحة 383 | ابن كثير / علي شيري