تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠

المشهور بكافي الكفاة ، وزر لمؤيد الدولة بن ركن الدولة بن بويه ، وقد كان من العلم والفضيلة والبراعة والكرم والاحسان إلى العلماء والفقراء على جانب عظيم ، كان يبعث في كل سنة إلى بغداد بخمسة آلاف دينار لتصرف على أهل العلم ، وله اليد الطولى في الأدب ، وله مصنفات في فنون العلم واقتنى كتبا كثيرة ، وكانت تحمل على أربعمائة بعير ، ولم يكن في وزراء بني بويه مثله ولا قريب منه في مجموع فضائله ، وقد كانت دولة بني بويه مائة وعشرين سنة وأشهرا ، وفتح خمسين قلعة لمخدومه مؤيد الدولة ، وابنه فخر الدولة ، بصرامته وحسن تدبيره وجودة رأيه ، وكان يحب العلوم الشرعية ، ويبغض الفلسفة وما شابهها من علم الكلام والآراء البدعية ، وقد مرض مرة بالاسهال فكان كلما قام عن المطهرة وضع عندها عشر دنانير لئلا يتبرم به الفراشون ، فكانوا يتمنون لو طالت علته ، ولما عوفي أباح للفقراء نهب داره ، وكان فيها ما يساوي نحوا من خمسين ألف دينار من الذهب ، وقد سمع الحديث من المشايخ الجياد العوالي الاسناد ، وعقد له في وقت مجلس للاملاء فاحتفل الناس لحضوره ، وحضره وجوه الأمراء ، فلما خرج إليه لبس زي الفقهاء وأشهد على نفسه بالتوبة والإنابة مما يعانيه من أمور السلطان ، وذكر للناس أنه كان يأكل من حين نشأ إلى يومه هذا من أموال أبيه وجده مما ورثه منهم ، ولكن كان يخالط السلطان وهو تائب مما يمارسونه ، واتخذ بناء في داره سماه بيت التوبة ، ووضع العلماء خطوطهم بصحة توبته ، وحين حدث استملى عليه جماعة لكثرة مجلسه ، فكان في جملة من يكتب عنه ذلك اليوم القاضي عبد الجبار الهمداني وأضرابه من رؤس الفضلاء وسادات الفقهاء والمحدثين ، وقد بعث إليه قاضي قزوين بهدية كتب سنية ، وكتب معها : العميدي ( 1 ) عبد كافي الكفاة وأنه * أعقل في وجوه القضاة خدم المجلس الرفيع ، بكتب * منعمات ( 2 ) ، من حسنها مترعات فلما وصلت إليه أخذ منها كتابا واحدا ورد باقيها وكتب تحت البيتين : قد قبلنا من الجميع كتابا * ورددنا لوقتها الباقيات لست أستغنم الكثير وطبعي * قول : خذ ليس مذهبي قول هات وجلس مرة في مجلس شراب فناوله الباقي كأسا ، فلما أراد شربها قال له بعض خدمه : إن هذا الذي في يدك مسموم . قال : وما الشاهد على صحة قولك ؟ قال تجربه ، قال : فيمن ؟ قال في الساقي . قال ويحك لا أستحل ذلك ، قال ففي دجاجة ، قال : إن التمثيل بالحيوان لا يجوز ، ثم أمر بصب ما في ذلك القدح وقال للساقي : لا تدخل بعد اليوم داري ، ولم يقطع عنه معلومه . وقد عمل عليه الوزير أبو الفتح ابن ذي الكفايتين حتى عزله عن وزارة مؤيد الدولة في وقت وباشرها .

هامش
( 1 ) في اليتيمة 3 / 231 : العميري ، وهو قاضي قزوين ، صاحب البيتين ( 2 ) في اليتيمة : مفعمات