تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية والنهاية — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣

بحمائل عن السرير ولفوه في كساء وحملوه إلى الخزانة بدار المملكة ، وتشاغل الناس بالنهب ولم يدر أكثر الناس ما الخطب وما الخبر ، حتى أن كبير المملكة بهاء الدولة ظن الناس أنه هو الذي مسك ، فنهبت الخزائن والحواصل وأشياء من أثاث دار الخلافة ، حتى أخذ ثياب الأعيان والقضاة والشهود وجرت كائنة عظيمة جدا ، ورجع بهاء الدولة إلى داره وكتب على الطائع كتابا بالخلع من الخلافة ( 1 ) ، وأشهد عليه الاشراف وغيرهم أنه قد خلع نفسه من الخلافة وسلمها إلى القادر بالله ، ونودي بذلك في الأسواق ، وسبقت الديلم والأتراك وطالبوا برسم البيعة ، وراسلوا بهاء الدولة في ذلك وتطاول الامر في يوم الجمعة ، ولم يمكنوا من الدعاء له على المنبر بصريح اسمه ، بل قالوا اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله ، ثم أرضوا وجوههم وأكابرهم وأخذت البيعة له واتفقت الكلمة ، وأمر بهاء الدولة بتحويل جميع ما في دار الخلافة من الأواني والأثاث وغيره إلى داره ، وأبيحت للعامة والخاصة ، فقلعوا وشعثوا أبنيتها ، هذا والخليفة القادر قد هرب إلى أرض البطيحة من الطائع حين كان يطلبه ، ولما رجع إلى بغداد مانعته الديم من الدخول إليها حتى يعطيهم رسم البيعة ، وجرت بينهم خطوب طويلة ، ثم رضوا عنه ودخل بغداد ، وكانت مدة هربه إلى أرض البطيحة ثلاث سنين . ولما دخل بغداد جلس في اليوم الثاني جلوسا عاما إلى التهنئة وسماع المدائح والقصائد فيه ، وذلك في العشر الأخير من شوال ، ثم خلع على بهاء الدولة وفوض إليه ما وراء بابه ، وكان الخليفة القادر بالله من خيار الخلفاء وسادات العلماء في ذلك الزمان ، وكان كثير الصدقة حسن الاعتقاد ، وصنف قصيدة فيها فضائل الصحابة وغير ذلك ، فكانت تقرأ في حلق أصحاب الحديث كل جمعة في جامع المهدي ، وتجتمع الناس لسماعها مدة خلافته ، وكان ينشد هذه الأبيات يترنم بها وهي لسابق البربري : سبق القضاء بكل ما هو كائن * والله يا هذا لرزقك ضامن تعنى بما تكفي وتترك ما به * تعنى كأنك للحوادث آمن أو ما ترى الدنيا ومصرع أهلها * فاعمل ليوم فراقها يا خائن واعلم بأنك لا أبا لك في الذي * أصبحت تجمعه لغير خازن يا عامر الدنيا أتعمر منزلا * لم يبق فيه مع المنية ساكن الموت شئ أنت تعلم أنه * حق وأنت بذكره متهاون إن المنية لا تؤامر من أتت * في نفسه يوما ولا تستأذن .

هامش
( 1 ) في الكامل 9 / 79 والعبر 3 / 436 : كان السبب في خلعه : أن بهاء الدولة قلت عنده الأموال ، فكثر شغب الجند فقبض على وزيره سابور فلم يغن عنه ذلك شيئا وانظر أبي شجاع : ذيل تجارب الأمم ص 201 ، وقال ابن دقماق في الجوهر الثمين 1 / 188 إن سبب خلعه أنه استوزر وزيرين استخفا بالشريعة ومالا إلى النجامة والقول بالطبيعة فقبض على ابن المعلم وهو من خواص بهاء الدولة . ( انظر دول الاسلام 1 / 232 تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 164 )