تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
رزق رسوله منه ، وإنما كان أحل لغيره لوجوه : منها : أنه انتزع ممن لا يستحقه ؛ لأنّه يستعين به عَلَى معصية الله والشرك به ، فَإِذَا انتزعه ممن يستعين به عَلَى غير طاعته وتوحيده والدعوة إِلَى عبادته ؛ كان ذلك أَحَبّ الأموال إِلَى الله تعالى وأطيب وجوه اكتسابها عنده . ومنها : أنه - صلى الله عليه وسلم - إِنَّمَا يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا [ ودينه ] ( 1 ) هو الظاهر لا لأجل الغنيمة ؛ فيحصل له الرزق تبعًا لعبادته وجهاده في الله ، فلا يكون فَرَّغَ وقتًا من أوقاته لطلب الرزق محضًا ، وإنما عبد الله في جميع أوقاته وَوَحَّدَهُ فيها وأخلص له ، فجعل الله له رزقه ميسرًا له في ضمن ذلك ، من غير أن يقصده ولا يسعى فيه . وجاء في حديث مرسل أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " أَنَا رَسُولُ الرَّحْمَةِ ، أَنَا رَسُولُ الْمَلْحَمَةِ ، إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي بِالجِهَادِ وَلَمْ يَبعَثنِي بِالزَّرْعِ " ( 2 ) وخرج البغوي في " معجمه " حديثًا مرفوعًا : " إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ وَلَمْ يَجْعَلَنِي زراعًا ولا تاجرًا ، ولا سخابًا بالأسواق ، وجعل رزقي في رمحي " وإنما ذكر الرمح ولم يذكر السيف لئلا يقال أنه - صلى الله عليه وسلم - يرزق من مال الغنيمة ، إِنَّمَا كان يرزق مما أفاء الله عليه من خيبر وفدك . والفيء ما هرب أهله منه خوفًا وتركوه ، بخلاف الغنيمة ؛ فإنها مأخوذة بالقتال بالسيف ، وذكر الرمح أقرب إِلَى حصول الفىء ؛ لأنّ الرمح يراه العدو من بعيد فيهرب ، فيكون هرب العدو من ظل الرمح ، المأخوذ به هو مال الفيء ، ومنه كان رزق النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف مال الغنيمة ؛ فإنه يحصل من قتال السيف ، والله أعلم . قال عمر بن عبد العزيز : إِنَّ الله تعالى بعث مُحَمَّدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا ، فكان - صلى الله عليه وسلم - شغله بطاعة الله والدعوة إِلَى توحيده ، وما يحصل في خلال ذلك
هامش
( 1 ) في " الأصل " : ودنيه . وهو سبق قلم من الناسخ ، والصواب ما أثبتناه . ( 2 ) أخرجه ابن عدي في " الكامل " ( 3 / 312 ) .
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي — صفحة 240 | عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي ) / أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني