إن المنصور لما فرغ من بناء الزاهرة غزا غزوة وأبعد فيها الإيغال ، وغال فيها من عظماء الروم من غال ، وحل من أرضهم ما لم يطرق ، وراع منهم ما لم يرع قط ولم يفرق ، وصدر صدرا سما به على كل حسناء عقيلة ، وجلا به كل صفحة للحسن صقيلة ودخل قرطبة دخولا لم يعهد ، وشهد له فيها يوم مثله لم يشهد ، وكان ابن شهيد متخلفا عن هذه الغزوة لنقرس عداه عائده واحده منتجعه ورائده ، وابن شهيد هذا أحد حجاب الناصر ، وله على ابن أبي عامر عامر أياد محكمة الأواصر ، وهو الذي نهض به أول انبعائه ، وشفى أمره زمن التياثه ، وخامص المصحفي عنه بلسان من الحماية ألذ ، توخاه باحسان قلده من الرعاية ما قلد ، وأسمى رتبته وحلى بإعظام جيده ولبته ، وكان كثيرا ما يتحفه ، ويصله وبلطفه ، فما صدر المنصور من غزوته هذه وقفل ، نسي متاحفته وغفل فكتب إليه ابن شهيد :
أنا شيخ والشيخ يهوى الصبايا * يا بنفسي أقيك كل الرزايا
ورسول الاله أسهم في القي * ء لمن لم يخب فيه المطايا
فاجعلني - فديت - اشكر معرو * فك وأبعث بها عذاب التنايا
فبعث إليه بعقيلة من عقائل الروم يكنفها ثلاث جوار ، كأنهن نجوم سوار وكتب إليه :
قد بعثنا بها كشمس النهار * في ثلاث من المها أبكار
فاتئد واجتهد فإنك شيخ * سلخ الليل عن بياض النهار
صانك الله عن كلالك فيها * فمن العار كلة المسمار
فكتب إليه ابن شهيد :
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس — صفحة 396
مساهمون: ابن خاقان
ص٣٩٦