في بنائها في هذه السنة المؤرخة ، وحشد الصناع والفعلة ، وجلب إليها الألات الجليلة ، وسربلها بهاء يرد الأعين كليلة ، وتوسع في اختطاطها ، وتولع بانتشارها في البسيطة وانبساطها ، وبالغ في رفع أسوارها ، وثابر على تسوية أنجادها وإغوارها ، فاستعت هذه المدينة في المدة القريبة ، وصار بناؤها من الأنباء الغريبة ، وبنى معظمها في عامين .
وفي سنة سبعين وثلاثمائة انتقل إليها ونزلها بخاصته وعامته ، فتبوأها وشحنها بجميع أسلحته وأمواله وأمتعته ، واتخذ فيها الدواوين والأعمال وعمل في داخلها الأهزراء ، وأطلق بساحتها الأرجاء ، ثم قطع ما حولها لوزرائه وكتابه وقواده وحجابه ، فابتنوا بها كبار الدور ، وجليلات القصور واتخذوا خلالها المستغلات المفيدة ، والمنارة المشيدة ، وقامت بها الأسواق ، وكثرت فيها الإرفاق ، وتنافس الناس بالنزول بأكنافها ، والحلول بأطرافها ، للدنو من صاحب الدولة ، وتناهى الغلو في البناء حوله ، حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة وكثرت بحوزتها العمارة ، واستقرت في بحبوحتها الإمارة وأفرد الخليفة من كل شيء إلا من الاسم الخلافي ، وصير ذلك هو الرسم العافي ، ورتب فيها جلوس وزرائه ، ورؤوس أمرائه ، وندب إليها كل ذي خطة بخطته ، ونصب ببابها كرسي شرطته ، وأجلس عليها واليا على رسم كرسي الخليفة ، وفي صفة تلك المرتبة المنيفة ، وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة بأن تحمل إلى مدينته تلك أموال الجبايات ، ويقصدها أصحاب
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس — صفحة 393
مساهمون: ابن خاقان
ص٣٩٣