تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
بره واهتمامه ، فطالت مدته فلا متنزه إلا مر عليه متفرجا ، ولا موضع إلا سار إليه معرجا ، فحل في ذلك أكثر الكنائس هنالك ، فبينا هو يجول في ساحتها ويجيل العين في مساحتها ، إذ عرضت له امرأة قديمة الأسر ، قويمة على طول الكسر ، فكلمته ، وعرفته بنفسها وأعلمته ، وقالت له : أيرضى المنصور أن ينسى بتنعمه بوسها ويتمتع بلبوس العافية وقد نضت لبوسها ، وزعمت أن لها عدة سنين بتلك الكنيسة محبسة ، وبكل ذل وصغار ملبسة ، وناشدته الله في إنها قصتها ، وإبراء غصتها ، واستحلفته بأغلظ الإيمان ، وأخذت عليه في ذلك أوكد مواثيق الرحمن ، فلما وصل إلى المنصور عرفه بما يجب تعريفه به وإعلامه ، وهو مصغ إليه حتى تم كلامه ، فلما فرغ قال له المنصور : هل وقفت هناك على أمر أنكرته ، أم لم تقف على غير ما ذكرته ؟ فاعلمه بقص المرأة وما خرجت عنه إليه ، وبالمواثيق التي أخذت عليه ، فعتبه ولامه ، على أن لم يبدأ بها كلامه ، ثم أخذ للجهاد من فوره ، وعرض من الأجناد في نجده وغوره ، وأصبح غازيا على سرجه ، مباهيا مروان يوم مرجه ، حتى وافى ابن شانجه في جمعة ، فأخذت مهابته ببصرة وسمعه ، فبادر بالكتاب إليه يتعرف ما الجلية ، ويحلف له بأعظم ألية أنه ما جنى ذنبا ، ولا جفا عن مضجع الطاعة جنبا ، فعنف ارساله وقال لهم : كان قد عاقدني أن لا يبقى ببلاده مأسورة