الحاجب المنصور بن أبي عامر
فرد نابه على تقدمه ، وصرفه واستخدمه ، فإن كان أمضاهم سنانا ، وأذكاهم جنانا ، وأتمهم جلالا ، وأعظمهم استقلالا ، فال أمره إلى ما آل ، وأوهم العقول بذلك المآل فإنه كان آية الله في اتفاق سعده ، وقربه من الملك بعد بعده ، بهر برفعة القدر واستظهر بالأناة وسعة الصدر ، وتحرك فلاح نجم الهدو ، وتملك فما خفق بأرضه لواء عدو ، بعد خمول كابد منه غصصا وشرقا ، وتعذر مأمول طارد فيه سهرا وأرقا ، حتى أنجز له الموعود ، وفر نحسه أمام تلك السعود ، فقام بتدبير الخلافة ، وأقعد من كان له فيها إناقة وساس الأمور أحسن سياسة ، وداس الخطوب بأخشن دياسة ، فانتظمت له الممالك واتضحت به المسالك ، وانتشر الأمن في كل طريق ، واستشعر اليمن كل فريق ، وملك الأندلس بضعا وعشرين حجة ، لم تدحض لسعادتها حجة ، ولم تزخر لمكروه بها لجة لبست فيه البهاء والإشراق ، وتنقست عن مثل أنفاس العراق ، وكانت أيامه أحمد أيا وسهام بأسه أسد سهام ، غزا الروم شائيا وصائفا ، ومضى فيما يروم زاجرا وعائفا ، فما مر له غير سنيح ، ولا فاز إلا بالمعلى لا بالميح فأوغل في تلك الشعاب ، وتغلغل حتى راع ليث الغاب ، ومشى تحت ألويته صيد القبائل ، واستجرت في ظلها بيض الظبا وسمر الذوابل ، وهو يقتضي الأرواح بغير سوم ، وينتضي الصفاح على كل روم ، ويتلف من لا ينساق للخلافة وينقاد ، ويختطف منهم كل كوكب وقاد ، حتى استبد وإنفرد ، وانس إليه من الطاعة ما نفر وشرد ، وانتظمت له الأندلس بالعدوة ، واجتمعت في ملكة اجتماع قريش في دار
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس — صفحة 388
مساهمون: ابن خاقان
ص٣٨٨