وكان في زمن عُطلته ، ووقت اصفراره وعلّته ، ومقاساته من العيش أنكده ، من التخوّف أجهده ، كثيراً ما ينشرح بجزيرة شُقْر ويستريح ، ويستطيب تلك الرّيح ، ويجول في أجَارِع وادِيها وينتقل من نواديها إلى بوادِيها ، فإنّها صحيحة الهواء ، قليلة الأدواء خضلة العشب والأزاهر ، قد أحاط بها نَهرُها كما تحيط بالمعاصم الأساور ، والأيك قد نشرت ذوائبها على صفيحه ، والروض قد عطّر جوانبه بريحه ، وأبو إسحاق بن خفاجة هو كان منزع نفسه ، ومصرع أُنسه ، به نفح له بالمُنَى عَبق وشذا ، ومَسح عن عيون مسرّاته القّذى ، وغدا على ما كان وراح ، وجرى مُتهافِتاً في ميدان ذلك المِراح ، قريب عَهدٍ بالفِطام ، ودهره ينقاد في خِطام ، فلما اشتعل رأسه شيباً وزرّت عليه الكهولة جَيباً ، أقصَر عن تلك الهِنات ، واستيقظ من تلك
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس — صفحة 348
مساهمون: ابن خاقان
ص٣٤٨