وسكوناً واعتمد إليها رُكُوناً ، إلى أن أنهضه أمير المسلمين إلى بساطه ، فهبَّ من مرقد خموله ، وشبّ لبلُوغ مأموله ، فبدا منه في الحال انزواء في تسنّم تلك الرسوم والتواء ، وقعود عن مراتب الأعلام ، وجمود لا يُحمد فيه ولا يُلام ، إلاّ أن أمير المسلمين - أيده الله تعالى - ألقى عليه منه مَحبَّة ، جلبت إليه مسرى الظهور ومَهبَّه ، وكان له أدب واسع المدى ، يانع كالزّهر بلله النَّدى ، ونظم مُشرق الصفحة عَبِق النَّفحَة ، إلاّ أنه قليلاً ما كان يحلّ رَبعه ويذيل له طبعَه ، وقد أثبتّ له منه ما يدع الألباب حائرة والقلوب إليه طائرة ، فمن ذلك قوله في ليلة سمحت له بفتى كان يهواه ، ونفحت له هبَّةُ وَصلٍ بَرَّدت جَواه :
للهِ لَيْلٌ باتَ عندي بِه . . . طَوْعَ يدي من مُهْجَتي في يَدَيْهْ
وبتُّ أسْقيهِ كؤوسَ الطَّلاَ . . . ولم أزَلْ أسْهُرُ شَوْقَاً إليهْ
عاطَيْتُه حمراَء مَمْزُوجَةً . . . كأنَّها تٌعْصَرُ من وَجْنَتِيْهْ
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس — صفحة 346
مساهمون: ابن خاقان
ص٣٤٦