تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
إلى أن أرتحل إلى المحلة ، وجعل كرم قاضيها مقر أمله ومحله ، وفارق إخلاءه وصحبه ، لما كابده من صحبته الأمر بين الفقر والغربة ، فانعطفت عليه أغصان المسرة وألهنا ، وأقام في رياض المكارم تحت ظلال المنى . إلى أن حالت الحال ، وأذنت شمس حياته بالزوال ، فجاد بنفسه ، وغاب في مغرب رمسه ، بعدما وقف على أطلال الهمم ، باكيا على دارس رسوم الكرم . وكان مغرما معي بالمزاح ، لابسا للخلاعة وبرد الجد عنه غير مزاح . وأنشدني له يوما قوله : حكَيْتُ إبليسَ خَناً . . . وصُورةً مِن عَوَرِهْ يا سابني عن العَمَى . . . عندِي نِصْفُ خَبَرِهْ فقلت له : قد سبقك إلى هذا الباخرزي ، في قوله : فلا تحسَبُوا إبْليسَ علَّمني الخَنَا . . . فإنِّيَ منه بالفضائح أبْصَرُ وكيفَ يرى إبْليسُ مِعْشارَ ما أرَى . . . وقد فُتِحتْ عَيْنايَ لِي وهْوَ أعْوَرُ وهو من قول الآخر : وكنتُ فتًى من جُنْدِ إبْليسَ فارْتَقَى . . . بِيَ الحالُ حتى صار إبْليسُ من جُنْدِي ولو مات مِن قَبْليِ لأحْيَيْتُ بعدَه . . . طرائِقَ فِسْقٍ ليس يُحسِنُها بَعْدِي وكان إذا أغار على معنى أغار ، ولا يبالي بأنه يرى مغزاه إذا انجلى الغبار ، تبعا لمذهب القائل : فإنَّ الدرهمَ المضروبَ باسْمِي . . . أحَبُّ إليَّ من دينارِ غَيْرِي