الأمْصار ، إذ لم تجِدْ حُرَّا ترْتَجِيه ، ولا أخَا وَجْدٍ تُطارِحُه هوَى نجْدِ وتجارِبه ، كما قلت :
يا وَيْحَ مِصرَ ترحَّلَتْ سُكَّانُها . . . وتعطَّلتْ تلكَ المجالسُ والمدارسْ
ظَعَنُوا ومِن بركاتِها وجَمالِها . . . كُنِسَتْ وهاتِيكَ النخيلُ بها مكانِسْ
فكأن الكرامَ أوراقُ خريفٍ لوَتْه الأعاصِير ، وبدّده الشَّتات ، ورُسومُها خَطَّ بها البَلاءُ آياتِ الموارِيث وصُحفَ الفرائِض فلا يُذْكَر فيها غيرُ الأمْوات ، فإذا رجع أو خرج منها المسافِر ، ما وَدَّعه واستَقْبَله غيرُ المقابِر .
عليها لقد حَطُّوا رِحلا بمنْزلٍ . . . وكم هَوْدَجٍ من بْينها مُرتخِي الشَّدِّ
وقد كنتُ أدْأَبُ في التَّرحال ، لأحُطَّ برَبْعِها المُخْصِب رِحالَ الآمال ، رجاءُ لقاءِ أشْياخي وأخْداني ، ومغازلةِ مَن بها من خُرَّدِ أوَانِس الأمانِي ، ممَّن سافَنْتُه بوادِيها ، وساجَلْتُه بدِلاءِ المجُون في بَوادِيها ، وقد تنْزِل من حِصْن طَوْدِها الأوابِد ، كما قال كُشاجِم في كتاب ) المطارد ( : إن الوحوشَ قد تلِجْ العُمْران ، وتلْجَأُ للآنِس ، إذا كَلَب الشِّتاء ، وعبَس بالجَدْب وجهُ الزَّمان ، فعُدِمت الأقوات ، وأخْفَى الْجَمَد والثَّلْج الماءَ والنَّبات ، فشاب منه الوليد ، كما قال مُسلِم بن الوليد :
فإن أَغْشَ قوماً بعدَهم أو أَزُورهم . . . فكالوحْشِ يُدْنِيها من الآنسِ الْمَحلُ
ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا — صفحة 218
مساهمون: أحمد بن محمد الخفاجي
ص٢١٨