فرحلتُ إلى الوادِي المقدَّس طُوَى ، والعزمُ بأيْدِي المطايَا شَبَّر شُقَةَ البَيْن وطَوَى ، حتى نزلْتُ تُربةً عُجنتْ بماءِ الوحْي ، على رَغْمِ أنْفِ النَّوَى ، ومسَحْتُ بها المُحيَّا ، وحَيِيتُ أكْرمَ مَحْيَا ، بين الصَّخرةِ والطُّور ، والبيتِ المُتلأْلئ فيه سَبَحاتُ النُّور :
قَطعْنَا في مسافتِه عِقاباً . . . وما بعد العِقاب سِوَى النَّعِيمِ
ولما رأيتُه طَشْتَ ذهبٍ مملوءاً بالعقارب ، غسلْتُ يدَ الأمل فيه من الرَّغائب ، وانثنَيْتُ للشَّام شَامةِ وجْهِ البُلدان ، وجَنَّةِ الله في أرْضِه المحفُوفةِ بالحُور والوِلْدان ، المفروشةِ بسُنْدُس النَّبات والأشْجار ، واللاَّبسةِ حُلَل الرِّياض المُزرَّرةِ بالأنْواء ، المُسجَّفةِ بزُرْق الأنْهار ، فقالت لي : أهلاً وسهْلاً ، ومدَّتْ كرماً ونُزْلاً ، وتلقَّتْنِي بصَدْرٍ رحِيب ، فبِتُّ فيها بين تكريمٍ وترْحيب :
مِن فوقِ أكْمامِ الرَّيا . . . ضِ وتحْتِ أذْيالِ النَّسِيمِ
ولقِيتُ بها من فضلائِها الأعْيان ، وأُدبائِها النَّقِيَّة الأذْهان والأرْدَان ، كلَّ كريمٍ تُحسَد عليه العيون والآذان ، هو لعَيْن المجدِ قُرَّة ، ولوجْهِ المكارِم غُرَّة ، ولقلْبِ الدهرِ فَرْحةٌ ومسَرَّة .
فكان ممَّن اجْتلاهُ ناظرِي ، وعكَف عليه في حَرَمِ كَرمِه خاطرِي :
ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا — صفحة 220
مساهمون: أحمد بن محمد الخفاجي
ص٢٢٠