تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون في موضع ، وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع ، ولتساوي مقاطع الكلام ، فليس بصحيح ، لأن الفائدة عندنا غير ما ذكروه . وهي : أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحداً ، من الأمر الصعب ، الذي تظهر فيه الفصاحة ، وتبين فيه البلاغة . وأعيد كثير من القصص في مواضع مختلفة ، على ترتيبات متفاوتة ، ونبهوا بذلك على عجزهم ، عن الإتيان بمثله مبتدأ ومكرراً . ولو كان فيهم تمكن من المعارضة ، لقصدوا تلك القصة ، فعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدي تلك المعاني ونحوها ، وجعلوها بإزاء ما جاء به ، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما جاء به ، كيف وقد قال لهم : ( فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ) . فعلى هذا يكون القصد بتقديم بعض الكلمات وتأخيرها ، إظهار الِإعجاز على الطريقين جميعاً ، دون السجع الذي توهموه . هذا ما قاله في سر التكرار ، وتبعه عليه كل من رأينا كلامه في هذا . وقد بينت في كتابي " نظم الدرر " أن الأمر على غير هذا ، وأن مقصد القرآن مما هو في العلو عن هذا الغرض بمراتب لا تنالها يد المتناول ، ويقصر عن عليائها كل متطاول . وذلك أن كل سورة لها مقصد معين - كما سيوضحه هذا الكتاب ، إن شاء الله تعالى - تكون جميع جمل تلك السورة دليلاً على ذلك المقصد .