هامش
= يستطيع فلان أن يأتي ؟ وقد علمت أنه يستطيع ، فالمعنى : هل يفعل ذلك ؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا ؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر ، فأرادوا علم معاينة كذلك كما قال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - : { رب أرني كيف تحيي الموتى } ، وقد كان إبراهيم عَلِمَ ذلك علم خبر ونظر ، ولكن أراد المعاينة لا يدخلها ريب ولا شبهة ، لأن علم الخبر والنظر قد تدخله الشبهة والاعتراضات ، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك ، ولذلك قال الحواريون : { وتطمئن قلوبنا } كما قال إبراهيم : { ولكن ليطمئن قلبي } .
ذكر هذا القول القرطبي واستحسنه واستحسن القول الآتي أكثر من هذا ، وهو قول من قال : إن ذلك كان من قول مَنْ كان مع الحواريين ؛ لأن الحواريين كانوا خيرة من آمن بعيسى ، فكيف يظن بهم الجهل باقتدار الله تعالى على كل شيء ممكن ؟ وأحسن من هذا كله ما اختاره ابن جرير الطبري ، وهو : أن قَوْلُهُ تَعَالَى : { إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ } من صلة : { إذ أوحيت } ، فيكون معنى الكلام : وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ؟ لأن من الواضح البَيِّن أن الله سبحانه كره منهم ما قالوه ، واستعظمه ، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قولهم ذلك ، والإقرار لله بالقدرة على كل شيء ، وتصديق رسوله فيما أخبرهم عن ربهم ، وقد استعظم منهم عيسى ذلك ، فقال : { واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } ، فاستتابة الله تعالى لهم ، ودعوته لهم إلى الإيمان به وبرسوله عند قيلهم ما قالوا ، واستعظام نبي الله لقولهم ، فيه دلالة كافية على صحة القراءة بالياء ورفع ( ( الرب ) ) .
ولو كانوا قالوا له : هل تستطيع أن تسأل رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً من السماء ؟ لما كان لاستنكار عيسى لقولهم معنى ، واستعظامه لذلك منهم ، ويدّل عليه : أنهم قالوا بعد ذلك : { نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا } ، فدلّ هذا على أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم ، ولا اطمأنّت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته ، فلا بيان أبيْنَ من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط =