فصل في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني
:
فصل :
دليل آخر على بطلان أن تكون " الفصاحة " صفحة للفظ من حيث هو لفظ :
479 - وهذا فنٌّ من الاستدْلال لطيفٌ على بُطْلانِ أن تكون " الفصاحةُ " صفةً لِلَّفْظِ من حيثُ هو لفظ .
لا تخلو " الفصاحةُ " من أن تكونَ صفة في اللفظ محسوسة تُدرك بالسَّمْع ، أو تكونَ صفة فيه معقولةً تُعرف بالقلب . فمحال أن تكون صفةً في اللفظ محسوسة ، لأنها لو كانت كذلك ، لكان ينبغي أن يستويَ السامعون للَّفظ الفصيح في العلم بكونه فصيحًا . وإِذا وجبَ الحكمُ بكونِها صفةً معقولة ، فإِنا لا نَعرِفُ لِلَّفْظِ صفةً يكونُ طريقُ معرفَتِها العقل دون الحس ، إلا دلالته على معنى 1 وإِذا كان كذلك ، لَزِم منه العلمُ بأنَّ وصْفَنا اللفظَ بالفصاحةِ ، وصفٌ له من جِهَة معناه ، لا من جهةِ نفسه ، وهذا ما لا يَبْقى لِعاقلٍ معه عُذْرٌ في الشَّكِّ ، والله الموفق للصواب .
بيان آخر في بطلان أن تكون الفصاحة للفظ من حيث هو لفظ :
480 - وبيانٌ آخرُ ، وهو أنَّ القارئ إِذا قرأ قولَه تعالى : { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا } [ مريم : 4 ] ، فإِنه لا يَجِدُ الفصاحةَ التي يَجِدُها إلاَّ مِنْ بعدِ أن ينتهيَ الكلام إِلى آخرهِ . فلو كانت " الفصاحة " " صفة للفظ " " اشتعل " ، لكطان ينبغي أن يحسبها القارئ فيه حالَ نطقه به . فمحالٌ أن تكونَ للشيء صفةٌ ، ثم لا يصحُّ العلمُ بتلك الصفةِ إلا من بعد عذمه . ومَنْ ذا رأى صفةً يَعْرى موصوفُها عنها
هامش
1 في المطبوعة : " على معناه " .