في حالِ وجودهِ ، حتى إِذا عُدِمَ صارت موجودةٌ فيه ؟ وهل سَمِع السامعون ، في قديم الدهر وحديثه ، بصفةٍ شرطُ حصولِها لمَوْصوفِها أَنْ يُعْدَمَ الموصوفُ ؟
فإنْ قالوا : إنَّ الفصاحةَ التي ادَّعيناها لِلَفْظِ " اشتعَل " تكونُ فيه في حالِ نُطْقنا به ، إلاَّ أنَّا لا نَعْلم في تلك الحال أنَّها فيه ، فإِذا بلَغْنا آخِرَ الكلام علِمْنا حينئذٍ أنها كانت فيه حين نُطْقِنا به .
قبل : هذا فنٌّ آخرُ من العَجَب ، وهو أن تكون ههنا صفةٌ موجودةٌ في شيءٍ ، ثمَّ لا يكونُ في الإمكانِ ولا يَسَعُ في الجوازِ ، أنْ يعلم وجودَ تلكَ الصفةِ في ذلك الشيءِ إلاَّ من بعْدَ أن يُعْدَم ، ويكونَ العلمُ بها وبكوْنِها فيه محجوبًا عنها حتى يُعْدَم ، فإذا عُدِم عَلِمْنا حينئذٍ أنها كانتْ فيهِ حينَ كانَ .
481 - ثم إِنه لا شُبْهةَ في أنَّ هذه الفصاحةَ التي يَدَّعونها لِلَّفْظِ هي مُدَّعاةٌ لمجموعِ الكلمةِ دون آحادِ حروفِها ، إذْ ليس يَبْلغُ بهم تهافُتُ الرأي إِلى أَن يَدَّعوا لِكلِّ واحدٍ من حروفِ " اشتعلَ " فَصَاحةً ، فَيَجْعَلُوا " الشِّين " على حِدَتهِ فَصيحاً ، وكذلك " التاء " و " العين " و " اللام " . وإِذا كانتِ الفصاحةُ مدَّعاةً لِمَجموعِ الكلمةِ ، لم يُتصوَّرْ حصولُها لها إلاَّ من بعْدِ أن تعدم كلها وينقضي أمر النطق بها . ذاك لأنه لا يُتصوَّر أن تدخُلَ الحروفُ بجملتها في النطقِ دفعةً واحدةً ، حتى تُجعلَ " الفصاحةُ " موجودةً فيها في حالِ وجودها . وما بعْد هذا إلاَّ أن نسألَ اللهَ تَعالى العصمةَ والتوفيق ، فقد بلغَ الأمرُ في الشناعةِ إِلى حد ، إذ تنبه العاقلُ لَفَّ رأسَهُ حياءً من العقلِ 1 ، حين يراه قد قال قولًا هذا مؤداه ، وسك مسلكًا إلى هذا مفضاه .
هامش
1 في المطبوعة : " انتبه " ، وفي " س " : " تبينه " .