تحرير القول في الإعجاز والفصاحة والبلاغة
:
فصل : بيان أن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم مجردة من معاني النحو
483 - ومما ينبغي أنْ يَعْلَمهُ الإِنسانُ ويجعلَه على ذكرٍ ، أنه لا يُتصوَّرُ أنْ يتعلَّقَ الفكْرُ بمعاني الكَلِم أفراداً ومجرَّدةً من معاني النحو ، فلا يقومُ في وهْمٍ ولا يصِحُّ في عقْلٍ ، أنْ يتَفَكَّرَ مُتفكِّرٌ في معنى " فعلٍ " مِنْ غيرِ أن يُريدَ إعمالَه في " اسْمٍ " ، ولا أن يتفكَّر في معنى " اسْم " من غَيْرِ أنْ يُريدَ إِعمال " فعلٍ " فيه ، وجَعْلَه فاعلاً له أو مفَعولاً ، أو يريدَ فيه حكْماً سوى ذلك من الأحكام 1 ، مثْلَ أن يُريدَ جَعْلَه مبتدأً ، أو خبراً ، أو صفةً أو حالاً ، أو ما شَاكَلَ ذلك .
وإنْ أردْتَ أن تَرى ذلك عِياناً فاعْمَدْ إِلى أيِّ كلامٍ شئْتَ ، وأزِلْ أجزاءَهُ عن مواضِعها ، وضْعاً يَمْتَنِعُ معه دخولُ شيءٍ من معاني النحو يها ، فقل في :
قِفَا نَبْك مِنْ ذِكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ
" مِنْ نَبْك قِفَا حبيبٍ ذكرى منزِلِ " ، ثم انظرْ هل يتعلَّقُ منكَ فكْرٌ بمعنى كلمة منها ؟
484 - واعلم أني لست أقول إلى الفكْرَ لا يتعلَّق بمعاني الكَلِمِ المفردَةِ أصْلاً ، ولكن أقولُ إِنه لا يتعلَّقُ بها مجرَّدَةً من معاني النحْو ، ومنْطوقاً بها على وجهٍ لا يتأتَّى معه تقديرُ معاني النحو وتوخِّيها فيها ، كالذي أريتك ، وإلا فإنك
هامش
1 في المطبوعة : " ويريد منه " .