أمثلة أخرى للحذف :
175 - وإذْ قد عرَفْتَ هذا ، فإنَّ هذا المعنى بعينِه قد أَوْجَبَ في بيتِ ذي الرُّمة أنْ يَضعَ اللفظَ على عكسِ ما وضَعه البحتريُّ 1 ، فيُعملَ الأوَّلَ من الفعلين ، وذلك قولُهُ :
ولم أَمدَحْ لأرضيهِ بِشعري . . . لَئِيماً ، أَنْ يكونَ أصابَ مالا 2
أعْمَلَ " لم أمدحْ " ، الذي هو الأول ، في صريح لفظ " اللئيم " ، و " أرْضى " ، الذي هو الثاني ، في ضميِرهِ . وذلك لأنَّ إيقاعَ نَفْي المدحِ على اللئيم صريحاً ، والمجيءَ به مكشوفًا ظاهرصا ، هو الواجبُ من حيثُ كان أصْلُ الغرضِ ، وكان الإرضاءُ تعليلاً له . ولو أنه قال : " ولم أمدح لأُرْضِيَ بشعري لئيماً " ، لكانَ يكونُ قد أَبْهمَ الأمرَ فيما هو الأصْلُ ، وأبانَهُ فيما ليس بالأَصْل ، فاعرفْه .
176 - ولهذا الذي ذكَرْنا من أنَّ للتَّصريح عَمَلاً لا يكونُ مثلُ ذلك العمل للكناية ، كان فعادة اللفظِ في مِثْلِ قولهِ تعالى : { وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ } [ الإسراء : 105 ] وقولهِ تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ } [ الإخلاص : 1 ، 2 ] من الحُسْنِ والبَهْجة ، ومنَ الفَخَامة والنُّبل ، ما لا يَخْفى موضِعُه على بصيرٍ . وكان لو تُرِكَ فيه الإظهارُ إلى الإضمار فقيل : " وبالحقِّ أنزلناه وبه نزل " : و " قلْ هُوَ الله أَحدٌ هو الصَّمَدُ " لعدِمْتَ الذي أنت واجده الآن .
هامش
1 يعني البيت السالف في رقم : 172 .
2 في ديوان ذي الرمة .