و " لو شئتَ أن تَعودَ بلادَ نجدٍ عودةً عُدْتَها " أذهب الماءَ والرونقَ ، وخرجْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ ، ولفظٍ رث .
171 - وأما قول الجوهري :
فَلمْ يُبْقِ منِّي الشوقُ غيرَ تَفكُّري . . . فَلَوْ شئتُ أن أَبْكِي بكَيْتُ تَفَكُّرا 1
فقد نَحَا به نَحْو قولهِ :
وَلَو شئتُ أن أبكي دماً لبكيتُه 2
فأظْهَر مفعولَ " شئتُ " ، ولم يَقُلْ : " فلو شئتُ بكيتُ تفكُّراً " ، لأجل أَنَّ له غرَضاً لا يَتمُّ إلاَّ بذكِر المَفْعولِ ، وذلك أنه لم يُردِ أَن يقولَ : " ولَو شئتُ أن أبكي تفكُّراً بكيتُ كذلك " ، ولكنه أرادَ أن يقولَ : قد أَفناني النحولُ ، فلم يَبْقَ مني وفيَّ غيرُ خواطِرَ تَجولُ ، حتى لو شئتُ بكاء فَمَريْتُ شُؤوني 3 ، وعصَرْت عيني ليسيلَ منها دمعٌ لم أَجدْه ، ولخَرجَ بدلَ الدمع التفكُّرُ 4 . فالبكاءُ الذي أرادَ إيقاعَ المشيئِة عليه مُطْلَقٌ مُبْهم غيرُ مُعَدَّى إلى " التفكُّر " البتَّةَ ، و " البكاء " الثاني مقيَّد معدَّى إلى التفكُّر . وإذا كان الأمرُ كذلك ، صارَ الثاني كأنه شيءٌ غيرُ الأول ، وجرَى مَجْرَى أن تقولَ : " لو شئتَ أن تُعطي درهماً أعطيتَ درهَمين " في أنَّ الثاني لا يَصْلح أن يكونَ تفسيراً للأول .
هامش
1 " الجوهري " هو " أبو الحسن ، علي بن أحمد الجوهري الجرجاني " ، قال الثعالبي في صفته " تجم جرجان " ، وذكر أنه ورد نيسابور سنة 377 ه - ، وكان شاعرًا ، وذكر من شعره قصيدة على الراء ، كأن هذا البيت منها . " يتيمة الدهر 3 : 259 - 274 " وانظر معاهد التنصيص 1 : 254 .
2 الشعر في الفقرة السالفة رقم : 168 .
3 في " س " : " مريت جفوني " و " الشؤون " ، مجاري الدمع في العين . و " مري ضرع الناقة " ، حلبها .
4 في المطبوعة : " ويخرج بدل " .