وذاك أنَّ مِنْ حِذْق الشاعرِ أَنْ يُوقِعَ المعنى في نَفْس السامعِ إيقاعاً يَمنعُه به مِنْ أنْ يتوَهَّم في بدءِ الأمر شيئاً غيرَ المرادِ ، ثم ينصرفُ إلى المرادِ ، ومعلومٌ أنه لو أظْهَر المفعولَ فقال : " وسَوْرة أيامٍ حززنَ اللَّحَم إلى العظم " ، لجاز أن يقعَ في وَهْم السامع إلى أنْ يجيءَ إلى قولِه : " إلى العظم " ، أنَّ ، هذا الحزَّ كان في بعضِ اللحم دُونَ كلِّه ، وأنه قطَعَ ما يَلي الجِلْدَ ولم يَنْتَهِ إلى ما يلي العظم . فلما كان كذلك ، وترك ذِكْر " اللحم " وأَسْقَطَه من اللفظ ، ليُبْرِئَ السامعَ من هذا الوهمِ ، ويَجعلَهُ بحيثُ يَقعُ المعنى منه في أَنْفِ الفَهْمِ 1 ، ويَتصوَّرُ في نفسه من أولِ الأمْر أنَّ الحزَّ مضى في اللحمِ حتى لم يَردَّه إلاَّ العْظمُ .
أفيكونُ دليلٌ أوضحَ من هذا وأَبْيَنَ وأجْلى في صحة ما ذكرتُ لك ، مِنْ أنك قد ترى ترك أفْصَحَ من الذكْرِ ، والامتناعَ من أن يَبْرزَ اللفظ من الضمير ، أحسن للتصوير ؟
هامش
1 " ألف كل شيء " ، أوله .